إفزارن يكتب عن اخطاء الدولة !!!!

من أوصل “المخزن” إلى هذه الحال؟

المواجهة أصبحت مفتوحة.. مباشرة.. في الليل والنهار.. وفي كل مكان!

ولا واحد من “أصحاب المخزن” لم يخذل الدولة!

كل “الأصحاب” يتفرجون على “مؤسسات في الدولة” وهي تقترف أخطاء تلو أخرى، في مواجهة أصوات شبابية شديدة الإيمان بالحقوق المشروعة، ومصرة على الاستمرار، مهما كان الثمن، في مسيرات احتجاجية سلمية..

وجميعا يؤكدون على السلمية..

السلمية مهما وقع..

وسلمية المسيرات تواكبها أصوات نساء ورجال، وشباب وحتى أطفال، لترديد المطالب الاجتماعية المشروعة!

أصوات صارخة لم تسمعها الدولة من قبل!

و”الأصحاب” يتفرجون.. وفي قبضة الدولة هراوات، وغازات، وغيرها… بينما المحتجون، متسلحون باللاءات: لا للظلم! لا للحكرة! لا للمساس بالكرامة الإنسانية! لا لهضم الحقوق! لا لاغتيال التعليم! والصحة! والشغل!…

ولاءات أخرى كثيرة…

و”الأصحاب” ليست لهم أفكار.. هم أصلا مصابون بالارتباك.. والشارع لا يحترمهم.. لا يملكون أدنى مصداقية..

والدولة وحدها في الواجهة: الهراوات تواجه الكلمات.. العنف يواجه المطالب..

وما كانت لمؤسسات الدولة أن تقع في هذا المنزلق، لو استرقت السمع، وبذلت مجهودا لكي تفهم.. عندها كان ممكنا أن تدرك أن كلمات الحراك ليست غبية.. ولا متهورة.. ولا خائنة.. ولا انفصالية.. ولا إرهابية.. الكلمات مشحونة بالوطنية.. في عمقها يسكن الوطن.. وهي عاقلة.. هادفة.. بناءة.. مفيدة..

لكن مؤسسات في دولتنا قد ضيعت فرصا كثيرة كان يمكن بها علاج إيجابي جذري لمضامين صراخات الحراك..

أخطاء قد اقترفتها الدولة في مواجهة حراكات اجتماعية مسالمة تطالب بحقوق مشروعة..

ومن أخطاء الدولة:

– خطأ جسيم:

تقترفه الحكومة نفسها برئيسها ووزرائها.. وهذه تتمثل في تدشين ملكي لمشروع مهم، مع الإعلان الرسمي عن غلافه المالي، وتحديد سقف زمني للإنجاز..

وبعد مرور المدة الزمنية المحددة، يكتشف المواطنون أن ذلك المشروع لم يتم إنجازه.. فأين الإنجاز؟ والميزانية؟ والمراقبة؟ والتتبع؟ والمحاسبة؟

– إن الحكومة تكذب علينا جميعا، من القاعدة إلى القمة!

– كذب آخر اسمه “القولبة”:

تشويه صورة المحتجين في شوارع المطالب السلمية المشروعة.. ورسم أشكال سلبية لهم في الأذهان.. وجعل “أحزاب الأغلبية الحكومية” تعلن، أمام الشاشة، تخوين أبناء “الشعب المتحرك”، وانفصالهم..

وقد تأكد ألا خيانة، ولا انفصال، ولا ترهيب، ولا إرهاب.. ولا هم يحزنون…

وما قالته تلك الشرذمة ما هو إلا كلام فارغ: إشاعة كاذبة..

وقد كان عليها أن تعتذر، ولكن متى كانت حكوماتنا تعتذر؟

الاعتذار فقط، من شيم حكومات تحترم الوطن والمواطنين!

– هذا خطأ:

خطأ شنيع لا تقع فيه دولة تعي أن دورها هو الحرص على الحقوق والواجبات، لا تكسير أضلع ورؤوس من يعارضون سياستها الاجتماعية.. أو إطلاق أوصاف لا تليق بمواطنين يطالبون بالحق في الصحة والتعليم والشغل…

وهذه مؤسسات في الدولة تتجاهل أن من حقوق المجتمع، المطالبة السلمية بحقوقه الاجتماعية المشروعة.. وتتجاهل أن كل تهاون وتماطل ولامبالاة في الاستجابة لهذه المطالب المشروعة، يضع الدولة نفسها في حالة توتر ذاتي لا تحسد عليه..

وهذا من أخطاء الدولة..

– الخطأ الآخر:

تصفية الأحزاب، وتحويلها إلى “سلة” ممخزنة واحدة، تحت إبط “أصحاب الدولة”.. وهذا يشكل في حد ذاته اختطافا مخزنيا لرسالة الأحزاب والنقابات والجمعيات والجماعات والجهات والبرلمان والحكومة وغيرها…

هذا خطأ يحمل توقيع “الدولة”..

– الخطأ الثالث:

هو أن المخزن ما زال هو الحاكم الفعلي، سرا وجهرا.. وتبقى السلطات الدستورية مجرد عناوين شكلية.. المخزن هو يبحث، ويقرر، ويحكم، وينفذ.. وفي الخفاء، يجمع، بواسطة الهاتف، بين كل السلطات الدستورية.. وهذا خطأ شنيع يحرم الدولة نفسها من أن تكون هي “دولة مؤسسات”..

– ومن أخطاء الدولة:

شحن البرلمان بجهلاء وأشخاص ممخزنين، لا يصفقون ولا يرددون إلا ما تريده السلطة.. وهذا ما يبرر كون البرلمان عاجز عن توليد أفكار جديدة، وعن الدفاع الفعلي عن المشاكل الاجتماعية، بدليل أن هذا البرلمان لم يتمكن من إقناع الناس بعدم الخروج إلى الشارع.. وفي هذه الحالة، لا البرلمان مقنع.. ولا هو يقدم حلولا.. ولا الحكومة تحل المشاكل.. وها هي الدولة في ورطة حراكية.. وأمامها شخصيات من “أصحاب المخزن” لا يقدمون للدولة إلا ما يتصورون أنه يستهويها..

وقد نتج عن هذه الحالة كون الحراك يردد كلاما لم تسمعه الدولة من قبل..

الدولة لا تتكلم مع الحراك بنفس الشفرات التواصلية المفهومة..

الدولة تخطىء التواصل!

وهي لا تريد حوارا مباشرا.. تريد كلاما مرموزا..

تريد حوار الصم..

وهذا من الأخطاء!

– هذا يقود إلى خطأ آخر:

هو أن المخزن يحسب أن له صلاحية أن يفعل ما يريد، على خارطة البلد.. هو يستولي على الأراضي، ويفعل بالمواطنين ما يريد، تضليلا ونهبا وتحرشا واغتصابا، وكأنه قد ورث كل شيء: البلد، وما في البلد، ومن يعيش على أرض البلد.. ويتصور أنه يملك أرضنا، ويملكنا نحن أيضا، ويملك حاضرنا ومستقبلنا.. وحتى ماضينا يحرفه وفق هواه، ويعتبر أن هذا الماضي تاريخه هو فقط، لا حق لأجدادنا فيه..

ولم يجد في “أصحابه الممخزنين” من ينبهه أنه في وهم مطلق..

هو واهم.. فهذا زمن آخر، وشعب آخر..

ولا تراجع إلى الخلف..

لم يجد المخزن في محيطه من يقوم بتنبيهه، رغم أن التنبيه قادر على إنقاذه من المخاطر المحدقة به، هو وكل البلد..

والمخزن لا يقرب منه أصلا سوى من يستهويه سماعهم، وبهذا الإبعاد، حرم نفسه من آراء غيره..

وما زال لا يسمع سوى “الأقربين”..

– الخطأ الآخر:

يتمثل في تمييع “المجتمع المدني”: دعم الدولة لا يذهب إلى كل الجمعيات، بل فقط إلى تلك الدائرة في المحيط المخزني..

وهكذا تم شل “المجتمع المدني”.. وإبعاده من حق الشراكة في معجالة الشأن المحلي..

وهذا التراكم، وما يأتي بعده، نتج عنه غياب من يمكن أن يخلقوا أفكارا تأطيرية لحل مشاكل الحراك، حتى بدون أية مواجهة مباشرة مع القوات العمومية..

وهذا يعني تغييب كل واسطة بين المجتمع ومؤسسات الدولة..

– ومن أخطاء الدولة:

تهميش المثقفين المستقلين الذين لا علاقة لهم بالدائرة المخزنية.. وجل هؤلاء محرورمون هم أيضا من أبسط حقوقهم الاجتماعية..

وطبعا، لهم رأي في مشاكل البلد، ولهم مشاريع حلول.. لكن الدولة لا تسمع لهؤلاء، بل تسمع لمن يصفقون لها..

– ومن أخطاء الدولة أيضا:

اغتيال “الطبقة المتوسطة”، فلم تعد تجد في بلادنا توازنا ماديا معقولا بين الأغنياء والفقراء.. وأيضا بين الأميين والمثقفين.. ورغم أن الدولة هي تعمدت نهج سياسة تصفية “الطبقة المتوسطة” فإنها لن تستطيع في وقت لاحق أن تعتمد على كبار الأثرياء الذين يعتبر أكثرهم جاهلين، أميين.. وبشأن الجهلاء نستحضر مقولة “فيكتور هيغو”، الشاعر الفرنسي: “إن منح الحرية لجاهل، كمن يمنح السلاح لمجنون!”..

– وهذا أيضا من أخطاء الدولة:

أثرياؤنا لم يبنوا كلهم ثراءهم بعرق الجبين.. ولا يصنعون أوراشا للتشغيل.. جلهم يستهويهم الاستثمار الخدماتي، لا التشغيلي.. أضف إلى ذلك أن جلهم هم من كبار المهربين.. وبتعبير آخر: “مجانين.. متكبرين.. متعجرفين.. بلا ضمير”..

ويمكن أن يصدر منهم أي سلوك!

– أخطاء أخرى:

تقترفها الدولة إلى الآن، ومنها أنها تتحدى العقل وتفرض عليه “تجارة الدين”، وهذه تتمثل في أحزاب تستغل الدين لأغراض سياسية، وتجارية، وانتخابية.. والدولة نادرا ما تتدخل.. وعندنا حكومتان بقيادة اثنين من تجار الدين.. وهذا لا يؤشر لخير.. أكيدا ستندم عليه الدولة.. وتندم على فرض ثقافة “الأولياء والصالحين والمشعوذين وغيرهم”..

وإذا لم تتدارك الدولة هذه السياسة الاستغلالية المنحرفة السلبية، فسوف تندم على نشر اللاعقل واللافكر في ربوع بلدنا.. وغدا أو بعد غد، لن تجد من تحاوره، ما دام في محيطها هذا النوع من كبار المسؤولين..

– وهذا أيضا خطأ فادح:

فقد أحاطت الدولة نفسها بأثرياء لا يهمهم إلا ما يملكون.. وهم على استعداد لأن يفعلوا أي شيء، وعلى حساب أي كان، ما دامت مصلحتهم تقتضي المحافظة فقط على ثرائهم وامتازاتهم..

– وأخطاء أخرى:

اقترفتها مؤسسات الدولة في حق الدولة نفسها..

وتتمثل في استغلال مؤسسات الدولة لأغراض بعيدة عما أعدت لها هذه المؤسسات.. ومن هذه المؤسسات “المحافظة العقارية” المثخنة بالرشاوى، وهي شريك رئيسي مع وزارة الداخلية في نهب أراضي الدولة، والجموع، وفقراء البلد، لتفويتها إلى شخصيات نافذة، هي نفسها تملك في الأرض والبر والبحر، وفي الخارج..

وهؤلاء يستطيعون أن يعيشوا بما نهبوا من أموال قرونا وقرونا، لكنهم حتما سيموتون مثل بقية الكائنات..

ولو اقتصروا على “ما يحتاجون” من عرق الجبين، لكانوا في حالة مريحة..

بل حتى في حالة أريح، لو ساعدوا بالفائض المحتاجين، وما أكثرهم في ربوع بلدنا..

ولكن ما داموا بهذه الأنانية المريضة، لا يفكرون إلا في أنفسهم، فحتما لا يفكرون في الحساب..

والحساب لا مفر منه.. هنا.. وهناك..

– وإلى هذه:

أخطاء فادحة أخرى تتعلق بعرقلة التعليم، من التحضيري إلى العالي والبحث العلمي، لتحويل التعليم إلى شبكة سماسرة، و”أساتذة” يتقاضون راتبا على القسم، وراتبا آخر على المراجعة.. ناهيك عن مساومة الطلبة.. وابتزاز الطالبات.. وبيع الشهادات الجامعية…

– ونفس الخطأ:

وقع في المجال الصحي وقطاعات أخرى، وهي في حقيقتها ليست أخطاءا بل جرائم اقترفها نافذون في الدولة.. وهذه ملفات تستوجب تحقيقات قضائية..

– فأين هي الأحزاب وباقي الجهات التي من المفروض أن تحمي الدولة من جشع وغطرسة مؤسسات الدولة؟

لو كانت عندنا مؤسسات تمثل مختلف شرائح الشعب، من مجالس محلية وجهوية وبرلمانية، وأحزاب، وجمعيات، ونقابات، ونخب غير مخندقة، وغير ممخزنة، وصحافة مستقلة مقروءة، وتعليم عاقل لا يتاجر في الشهادات، وصحة عمومية في متناول الجميع، لقامت كل هذه بواجب التأطير الضروري لحماية بلدنا من أي ترد مضر بنا جميعا، لأن الاستمرار في التحدي والتحدي

المضاد ليس في مصلحة بلادنا.. وعلينا جميعا أن نبحث عن حلول..

أما الدوران في حلقة صراع لامتناه، بين القوات العمومية والحراك الاجتماعي، فهذا يغرقنا في حلقة مفرغة مضرة بالسلم الاجتماعي، ومن ثمة في احتقان يسيء بنا وبالسمعة الوطنية..

– وبإيجاز:

لا اعتماد على “أصحاب الدولة”..

تلك أوراق خاسرة!

أحمد إفزارن – كاتب و صحفي 

Comments

comments