الصوفية و مفهوم تقبل الآخر ” دراويش “

بقلم : جيهان أزماني 

الدرويش مصطلح، متداول في اللهجة المغربية و يعني الشخص الطيب، المسالم، و يرجح أن المصطلح استعمل في نطاق صوفي، ومعناه الدرويش أي الصوفي، الزاهد، المسالم.

عرف المغرب و منذ القدم بتبنيه الصوفية و احتضانها مع اختلاف الطرق و تنوعها،  لن أتطرق إلى البعد السياسي و دور الزوايا الفعال في حفظ الأمان و الاستقرار عبر التاريخ. كما أنني لن أتطرق إلى البعد الديني و اختلاف المذاهب الإسلامية حولها و بين علماء دين  تبنوا الصوفية و بين علماء دين آخرين تبرؤوا  منها ووصفوا أتباعها بالمهرطقين ، وبين جماعات دينية وصلت إلى تكفير المتصوفة.
سأركز على البعد الفكري للصوفية و عموما فالبعد الفكري هو المنبع الرئيس و هو الإناء الذي يضم كل الأبعاد .
سآخذ في مقالي هذا رواية قواعد العشق الأربعون كمثال جامع للفكر الصوفي العام فقد حققت الرواية نجاحا كبيرا على الصعيد العالمي مع اختلاف النقاد حولها و حول عمقها بل و مضمونها

جاء في  الرواية  شخصية تدعى بيبرس ، بيبرس الشخصية التي تمثل التعصب ورفض الآخر فهو الذي طرد الغانية من المسجد بعد أن أرادت التوبة ، وهو من ضرب بسوطه سليمان السكران و تركه غارقا في دمائه عقابا له على شربه الخمر ، و هو نفسه  الذي قتل المتصوف” شمس التبريزي” ، بسبب تصوفه اتهامه بالهرطقة ، بيبرس نصب نفسه قاضيا و حاكما ،محاسبا و معاقبا …و هذا ما نجده في زماننا أيضا فشخصية بيبرس موجودة في كل زمان و مكان ، و كما وجد و يوجد المتعصب و المتخفي خلف شرعية دينية يدعيها  و كذلك وجد و يوجد المتسامح ، فكلما قوي الشر قوي الخير في جهة أخرى

وعن رواية ا”لكفر الحلو” أيضا جاء فيها عن قصص موسى” ،  أنه و في أحد الأيام كان موسى النبي سلام الله عليه يسير في الجِبال وحيداً عندما رأى من بعيد راعياً. كان الرجل جاثياً على ركبتيه، ويداه ممدودتين نحو السماء يُصلّي
‎”يا إلهي الحبيب، إني أحبّك أكثر مما قد تعرف. سأفعل أيّ شيء من أجلك، فقط قل لي ماذا تريد. حتى لو طلبت مني أن أذبح من أجلك أسمن خروف في قطيعي، فلن أتردد في عمل ذلك. أشويه، وأضع دهنه في الأرزّ ليصبح لذيذاً”

عندما سمع موسى ذلك، صاح مقاطعاً الراعي وقال: “توقف أيها الرجل الجاهل! ماذا تظن نفسك فاعلاً؟ هل تظن أن الله يأكل الأرزّ؟ هذه ليست صلاة. هذا كفر محض”
‎كرر الراعي الذي أحسّ بالذهول والخجل اعتذاره، ووعده بأن يصلي كما يصلي الأتقياء. فعلمه موسى الصلاة في عصر ذلك اليوم. ثم مضى في طريقه راضياً عن نفسه كلّ الرضا
‎لكن في تلك الليلة، سمع موسى صوتاً. كان صوت الله
‎”ماذا فعلت يا موسى؟ لقد أنّبت ذلك الراعي المسكين، ولم تُدرك معزتي له. لعله لم يكن يصلي بالطريقة الصحيحة، لكنه مخلص فيما يقوله. أن قلبه صافٍ ونياته طيبه. إني راضٍ عنه. قد تكون كلماته لأذنيك بمثابة كُفر، لكنها كانت بالنسبة لي كُفراً حلواً”
‎فهِم موسى خطأه في الحال. وفي اليوم التالي عاد إلى الجبال ليبحث عن الراعي، فوجده يصلي، لكنه، في هذه المرة كان يصلي له حسب الطريقة التي علمه إياها. ولكي يؤدي صلاته بالشكل الصحيح، كان يتلعثم، وكان يفتقد الحماسة والعاطفة كما كان يفعل سابقاً. نادماً على ما فعله له، ربت موسى على ظهر الراعي وقال: “يا صديقي، لقد أخطأت. أرجو أن تغفر لي. أرجو أن تصلّي كما كنت تصلّي من قبل، فقد كانت صلاتك ثمينة في عيني الله”
‎تملكت الراعي الدهشة عندما سمع ذلك، لكن إحساسه بالارتياح كان أعمق. بيد أنه لم يشأ العودة إلى صلاته القديمة. ولم يلتزم بالصلاة الرسمية التي علمه إياها موسى
‎و قال مولنا جلال الدين الرومي الفيلسوف و المفكر الصوفي أيضا في نفس الصدد
“لا تحكم على الطريقة التي يتواصل بها الناس مع الله, فلكل امرئ طريقته و صلاته الخاصة. إن الله لا يأخذنا بكلمتنا, بل ينظر في أعماق قلوبنا. و ليست المناسك أو الطقوس هي التي تجعلنا مؤمنين بل إن كانت قلوبنا صافية أم لا.”

Comments

comments