دعونا ننعم بموت هادئ!

  • كاب24تيفي/ إيمان الطالبي:

 

مستاءة منك يا وطني، مستاءة من الذي حدث و الذي لم يحدث بعد، و أخاف أن أعلن كفري بك في وقت قريب، لقد حاولت جاهدة و بكل ما أوتيت من قوة و صبر معا أن أتمسك بالخيط الرفيع الذي يربطني بك، و أن أبحث عن حقيقة ما يحدث على أرضك، هل ما أراه حقيقة أم هي مؤامرة حاكت خيوطها جهات خارجية كما اعتدنا أن نقول دائما؟
أشعر بالخوف و التيه و الضياع وسط الكم الهائل من الأخبار السيئة التي تتراكم و المصائب التي لا تأتي فرادى، نصيبنا من البؤس قادم و خبر انتشالنا من تحت الأنقاض قادم أيضا، بتنا متأكدين من ذلك، متيقنين من أن الموت على أرضك يا وطني لن يكون موتا هادئا، سوف يُحدث خبر موتنا ضجة، و سوف تتصدر أخبارنا عناوين الصحف كما فعل خبر مقتل حياة و صرخة ساكنة الكاريان و ووفاة الشباب في فاجعة القطار و سابقاتها من الحوادث التي أحدثت ألما كبيرا و غصة أكبر داخل حناجرنا.
و أعرف جيدا أن الخبر العاجل سوف يتحول بعد ساعات قليلة إلى أخبار عادية تتداول الصحف مستجداتها و تطوراتها، ثم تنتقل بعد ذلك إلى خبر آخر، كفضيحة وزير أو برلماني، و سوف ننسى كأننا لم نكن.
حسب نظرية جلاسر هنالك أربع أشياء ضرورية لتحقيق هوية الفرد؛ المرح و القوة و الحاجة إلى البقاء و الانتماء، جميل هو الشعور بالانتماء إلى مكان ما، فهو يمنح الإنسان شعورا بالاعتزاز و الفخر، لمجرد الإحساس بأن هنالك من يهتم به و يرعى مصالحه، و يسهر على تلبية مطالبه و ضمان حقوقه.
فوطن الإنسان حيث يجد نفسه، ونحن لم نعثر على أنفسنا بعد، نحن نعيش تحت أنقاض ما خلفته السياسة، فقدنا لذة الحياة و بدا لنا الموت حلا سريعا للنجاة، شباب يعلن انتحاره على مواقع التواصل الاجتماعي و آخرون ينتحرون في أعماق المحيط.
يا وطني إننا لم نولد تعساء، فكل مكان هنا يشهد على لحظات مرح يوم كنا صغارا لا نفقه في الحياة شيئا، رباه كم كنا سذجا، حين انتظرنا قدوم المستقبل حاملا تذكرة العبور إلى الحياة المسؤولة. الحقيقة أن المستقبل لم يتأخر في المجيء لكنه جاء محملا برياح اليأس و البؤس، فقد كبرنا و تاهت أحلامنا وسط زحمة جشعهم، و ضاعت ثرواتنا بداخل جيوب من ضربوا أحلامنا و طموحاتنا عرض الدنيا، فتوسعت رقعة اليأس بجنون حتى اختفت معالم الأمل إلى الأبد.
نحن لا نطلب أن تدفعوا ثمن ما نهبتم، فأنا أجهل قيمة الحياة لديكم، كما أجهل الطريقة التي تقيمون بها حياة الشخص على أرضكم، و لا أعرف كم صرخة تحتاجون سماعها حتى تُنخر آذانكم.
إليكم أتحدث: ألا تروننا ؟ هل هنالك شيء ما يحجب الرؤية عنكم؟ هذه الندوب التي خلفتها قراراتكم على أرواحنا أ ليست ظاهرة بشكل واضح لكم؟ و آثار الجلد هذه الواضحة على ظهورنا ألا ترونها؟ أ لا ترون كيف أننا نتضخم كبالون ينفخ أكثر مما يحتمل؟ ألا تخشون صوت انفجاره؟ ألا ترون حجم مأساتنا و مساحة بيوتنا و المسافة التي تفصلنا عنكم يا من تعيشون في منأى عن الحاجة؟ ألا يوجعكم صوت أنيننا؟ ألا تزعجكم صرخاتنا المتتالية؟
لقد فقدنا ما يكفي من انتمائنا و من كينونتنا و من تفاصيل إنسانيتنا، فنرجوكم دعونا نتنفس حرية و كرامة داخل هذا الوطن الذي أرضعتنا أثداء أمهاتنا حبه، دعونا نصل إلى بر الأمان سالمين، دعونا ننعم بموت هادئ على الأقل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.