أم كلثوم أفريقيا وقصة مائة عام مع الطرب

المطربة بي كيدودي … (هاكونا ماتاتا)

د. محمد بدوي مصطفى*

أميرة زنجباريّة وهودج الرحيل من “محيط هادئ”:

إن قصة أم كلثوم أفريقيا، أو بالأحرى السيدة التي أطلق أحبابها عليها بي كيدودي، هذه المطربة التي بلغت من العمر على وجه التقدير 113 عاما، أحيت فيّ ذكرى رحلة لن أنساها طيلة حياتي. إذ كنت ذات مرّة يا سادتي في رحلة على إحدى الفنادق العائمة، أو لنقل على متن السفينة “أم أس بريمن” التابعة لشركة هباقلويد العالمية. كانت السفينة تتنقل بين جنوب أفريقيا، سواحل موزنبيق، سواحل مدغشقر الساحرة، جزر القمر بخضرتها السندسية وجزر السيشل الفردوسية إلى أن حطت بنا على سواحل مدينة صلالة البديعة بسلطنة عمان التي ناجت بولهٍ ومن على البعد أختها، في الجزء المقابل من الشاطئ الأفريقي زنجبار. كانت تقدم على متن السفينة برامج ترفيهية وعلمية منها المحاضرات والدروس والاحتفالات وما شابه ذلك من الأمور التي تروض عن النفس الأمّارة؛ وكانت حينذاك محاضرات عمليّة وتاريخية شتى قد شدتني إليها، لا سيما المحاضرة التي ألقتها إحدى المحاضرات، وكانت ألمانية من أصل أفغاني، عن الأميرة سالمة، أميرة زنزبار وسلطنة عمان. ومن هنا بدأ تعلقي الوثيق بهذه الجزيرة وأهلها وطبيعتها وفنّها، كما تعلقت بها من قبل في النرويج عندما قابلت لأول مرّة شاب من مدينة زنجبار وأخيرًا في مدينة فورتسبورغ الألمانية عندما كانت إحدى الفرق الشعبية الزنجبارية تعزف على المسرح. فكل هذه الأحاسيس امتزجت بالقصة الدراميّة للأميرة سالمة التي ولدت بجزيرة زنزبار من أم شركسية وتوفيت بمدينة يينا بألمانيا الشرقية بعد أن فرق الموت بينها وبين زوجها فصارت، بعد عز وجاه ورفاهية، غربية الوجه واليد واللسان وعديمة الأهل والمال والدين، هي حكاية فوق الخيال. لقد بدأت القصة هكذا: حينما بلغت سالمة سن الثانية والعشرين من عمر الزهور تعلق قلبها بأحد التجار المسيحيين من أبناء الألمان الذين قصدوا الديار العربية لبيع بضائع ألمانية من جهة، وبسبب جلب البضائع الشرقية التي كانت تفتقد إليها أوروبا حينذاك من جهة أخرى. أحبته من أول وهلة عندما رأته بالقصر وألّف الحبّ بين قلبيهما وحدث ما حدث!

سفن الهجرة وغناء الآتين:

ذات صباح باكر وقبل أن تداعب أشعة الشمس أشجار جوز الهند على باحات القصر العمانيّ الزنجباريّ طلبت الأميرة سالمة من جواريها وخدمها أن يعدّوا لها زورقا صغيرا وخفيفا لتستحم بمناسبة العام الجديد. فأعد هؤلاء الزورق واستقلته الأميرة العاشقة واندفعت به إلى البحر حتى وصلت إلى السفينة الإنجليزية فأنزل لها القبطان السلم في الحال ورفعت السفينة مرساها فورا وكان القبطان على علم بخطة هروبها إذ أنها أخبرته في رسالة سالفة بالخطة التي دبرتها للهروب بسبب علاقتها مع عشيقها. ولما رأينها الجواري صاعدة إلى السفينة حسبنها قد اختطفت فصرخن وجرين للاستنجاد بأهل القصر، ولكن السفينة قد اقلعت بعيدا، وحينا وصلت إلى عدن نزلت عن متنها الأميرة سالمة وبقيت مدة من الوقت تنتظر حبيب العمر الذي هربت من أجله ومعه بعد التمّ الشمل في عدن. وهنا أقف لأقول هل تقف أم كلثوم أفريقيا في نفس مكان “الهروب الكبير” مناجية المحيط الهادي وأمواجه العاتية رانية إلى سحره ولونّه الزمرّي لتبكي قصة هذه الأميرة الضائعة، التي هجرت بلدها، أهلها، دينها، جزيرتها التي عشقتها دون أن تُعطى بعد ذلك الإذن بالرجوع.  ترتبط جزيرة زنجبار وأهلها ارتباطًا وثيقا بسلطنة عمان وحكامها. كانت زنجبار قاعدة للرحلات التجارية بين العرب والهند وإفريقيا، وكانت تعرف باسم جزيرة التوابل والقرنفل، وفي 1698 وقعت تحت حكم سلاطين السلطنة العمانية وصارت في نهاية القرن التاسع عشر أيضاً محمية بريطانية ذلك في 1890، بعد خلاف المملكة المتحدة مع السلطان الجديد للبلاد خالد بن برغش، الذي خلف ابن عمه حمد بن ثويني البوسعيدي، فسقطت البلاد تحت الاحتلال خلال أربعين دقيقة لا غير. وتعتبر هذه الفترة الوجيزة أقصر حرب حديث بين دولتين في تاريخ البشرية. على كل ولدت ابنة بائع جوز الهند بين فترة الحماية البريطانية والجلاء، بقرية حالمة تدعى فاجيمارينجو، ترقد على محيطها هادئة كالنون على سطرها. بدأت الغناء على مركب شراعي في سن العاشرة. كان البحارة العرب يقصدون هذه الجزيرة من كل صوب وحدب لما اشتهرت به من أرض خصبة وتوابل فاخرة وخيرات لا تحصى ولا تعد.

يلقون بأشرعتهم في الميناء للنقاهة والزوادة وكانوا يعشقون الفنّ الأفريقي المرصع بالطبول والغناء الهارموني، وكان الناس يستقبلونهم بتلك الأغاني الخالدة مهللين مرحبين بحضورهم، يغنون لها أغاني عدّة منها الأغنية المفضلة لديهم الأمينادورا. وكانت بي كيدودي رغم جمال صوتها، حيويتها وخفة ظلها وهي في هذه السنّ اليافعة، تتبدى حزينة، بالية الثياب رثتها وكانت تحسّ بأن لا أحد من هؤلاء الأكابر يجلس بقربي عندما أغني لهم على متن السفن الشراعية التي تحملهم إلى الجزيرة. يرون فيّ طفلة متشردة، ابنة الشوارع، وكان ذلك يؤلمني ويجعلني أغدق في الغناء لاستلهم وأستجلب حنانهم وعطفهم، ذاك الدفء الذي حرمت منه وأنا طفلة بريئة ووجدته في عيون الناس عندما أغني.

دي كيدودي … أم كلثوم أفريقيا:

ربما شاهد أحدنا على صفحات اليوتيوب فيديو لسيدة عجوز تغني وهي في حالة جذبة وإلهام خارق للعادة، تتغنى وتمسك في ذات الوقت بسيجارة على يدها اليمنى يتطاير دخانها حولها وحول من يجلسون إليها أو يستمعون لها. نعم، نشاهد في حياتنا كثير من الأفلام والفيدوهات ولا نعلم من وراءها، لذلك أقول ربما قد تثير مقاطع الفيديو عند بعض الناس دون سابق معرفة بهذه الأيقونة، بي كيدودي، إحساسا بالتهكم أو بالضحك والتسلية، وفعلا لقد حدث ما يشبه ذلك إذ أنني رأيت بعض الفضلاء ينشرون هذه المقاطع مدججة بعض التعليقات التي يصل بعضها إلى درجة الصفاقة والإسفاف في حق هذه السيدة الجليلة. في الحقيقة عليّ أن أخبركم يا سادتي أن هذه السيدة رغم طرافة تقديمها للأغنيات فهي سفيرة بكل ما تحمل هذه الكلمة من معانٍ، فبي كيدودي ترفع وتحمل عبر أغنياتها رسالة عظيمة جديرة بامرأة عظيمة وهبت كل حياتها للترفيه عن آلام الناس عبر بثها للفن وللطرب الأصيل الذي يعكس في حناياه رسائل جدّة صغرى، في أثواب سياسية، اجتماعية وأخلاقية، دامت أو قل ناهزت العشرة عقود ولا يزال عبقها وذكراها خالدة في أرضها الطاهرة.  إن هذه المشاهد التي ربما رآها أغلبنا تحمل رغم بشاشتها وطرافتها قصة تاريخية لحنجرة ذهبية وتاريخية خلدت نفسها في سماء الطرب الأفريقيّ وحتى العربي وبجدارة منقطة النظير. فلقد تغنت بأغنيات خالدة لسيدة الطرب العربي أم كلثوم ولعملاق الألحان والنغم محمد عبد الوهاب واستطاعت أن تستحوذ على قلوب الجمهور العربي والعماني خاصة.

بي كيدودي … الجدّة الصغيرة:

أم كلثوم أفريقيا، بي كيدودي، أو الجدّة الصغيرة كما يسميها أغلب الناس، لأنها ورغم كبر سنها كانت تلعب كالأطيفال وتبث الفرحة بين البشر بثوب طفولي فريد، فهي يا سادتي دون أدنى شك موهبة فريدة في نوعها، تجاوز عمرها المائة سنة بثلاثة عشر سنة، قضت منها قرنًا كاملا وهي تغني، تطرب وتنشد ولكنها كانت تشعر دائما بأنها طفلة صغيرة، ولدت ولم تنعم بالحياة كباقي أقرانها أو ربما لأنها لم تعش طفولة بريئة هانئة مليئة بالعبث والمرح وكان عليها إذذاك مساعدة أبيها البائع المتجول ولم تكن تعرف شيئا غير المغنى وكانت تعود إلى البيت بعد أن تغني للبحارة ببضع شلينات أو شلن تحملها إلى بيت أبيها وهي فرحة بظفر وخير انساب على الأسرة بسببها، يا لها من طفولة. من جهة أخرى لم تكن تعرف الجدّة الصغيرة، تاريخ ميلادها على وجه التحديد، بيد أنها تتذكر جيدًا أنها بدأت المغنى في ريعان طفولتها وفي سنّ مبكرة جدا. لمن لا يعرفها يا سادتي، فَلِأُم كلثوم أفريقيا اسمها الحقيقي، وهو فاطمة بنت بركة خميس، ولدت في قرية فاجيمارينجو وكان والدها بائع لجوز الهند في جزية زنجبار في غضون فترة الاحتلال الإنجليزي. وقد بدأت الغناء على مركب شراعيّ صغير في المكان الذي يبيع فيه والدها جوز الهند وهي لم تبلغ سنّ العاشرة إذ تقول وهي فخورة بنفسها “لم يعلمني أحد الغناء، فقط موهبتي هي ما كانت تغذيني طوال الوقت”.

مع مرور الأيام بدأت “كيدودي” العمل مع بعض الفرق الشعبية المحلية وكان ذلك في عشرينات القرن الماضي وكانت تقدم حينئذ موسيقى تقليدية تسمى بموسيقى الدومباك التي تعتمد اعتمادًا كبيرًا على الإيقاعات والطبول الإفريقية، مع أنماط طربيّة كلاسيكية من تراث جزيرة زنجبار السواحيليّ. ونجد التخت أو الفرقة الصغيرة إن جاز التعبير تحذو حذو الفرق الشرقية فتتكون من عدّة عازفين وآلات شرقية، نجد آلة العود، الكمان والقانون مصاحبة من المزامير والعديد من الطبول الأفريقية المعروفة في شرق القارة مثل آلة الجنبه أو السبار. إنها موسيقى ساحرة عجيبة تتموسق بين المقامات العربية أو الشرقية وبين المزاج والإيقاع الطربي الأفريقي البحت. خليط رباني شيطاني خارق للعادة، سحر يأخذك من أول وهلة وتنساب فيه كما تنساب حبيبات العسل في حلقوم سقيم اشتدت عليه وطأة الحمى والعطش فصار يلهث وينادي هل من مزيد.

تعتبر سيدة الغناء الزنجباري بمثابة بنك للذاكرة الموسيقية الإفريقية بالجزيرة، فهي في رحلتها الموسيقية التاريخية هذه نجدها قد تغنت بجميع ألوان وأشكال وقوالب الطرب الموسيقي، من مقامات شرقية حتى التراث الزنجباري التقليدي، ومن ثمّة لون الجاز التنزاني، وكل ذلك بنفس القدر من الإتقان والمهارة الفائقة التي تعكسها حرفيتها وتتجلى في نكران الذات والتطلع إلى الأفضل،  وفي كل مرّة تبهرنا هذه الجدّة الصغيرة بالجديد الفريد ولا يسعنا إلا أن نقول في هذا السياق القولة السواحلية التي اشتهرت في فيلم ملك الغابة  “هاكونا ماتاتا” (بدون مشكلة) وبسهل ممتنع.

رسائل بي كيدودي الغنائية:

أما رسائلها فكانت تركز بشكل كبير على حقوق حواء ومعاملة المرأة بالتي هي أحسن، فكانت تشجب إساءة معاملتها، وتطرقت من خلال أغنياتها الفريدة لتعالج مواضيع متنوعة في ذات السياق الاجتماعي وفي اطار حماية حواء؛  مما مهد لها سبل الشهرة وارتياد آفاق ما وراء الهادي، فصارت نجم خارج نطاق تنزانيا، وكان الفضل في ذلك لإحدى صديقاتها، تدعى مريم حمداني، ومن ثمّ لانضمامها لفرقة “النجوم المتلألئة” حيث أصبحت مطربتهم الرئيسية؛ والجدير بالذكر أن هذه الخطوة كان لها أعظم الأثر في تطوير مسيرتها الفنيّة والحرفية بشكل غير متوقع، خاصة خلال صولاتها وجولاتها في الشرق الأقصى والشرق الأوسط وأوروبا.

في منتصف تسعينات القرن المنصرم شاركت مع فرقة “شيكامو جاز” التي استطاعت أن توفق بين مزج الألحان الزنجباريّة وموسيقى الجاز العالميّة. سافرت بأغانيها إلى بلدان عدّة وتغنّت كعادتها حافية الأرجل فأبهرت الجماهير الغفيرة في بولندا، إنجلترا، إيطاليا، ألمانيا والسويد وقد ساقتها شهرتها التي ما فتئت تزداد خارج القطر عاما تلو الآخر بشكل مبهر إلى الحصول عام ٢٠٠٥ على جائزة ووميكس العالمية، التي نصبتها وسيطًا ثقافيًا ومستشارًا للأجيال الشابة ورمزًا للموسيقى التحرريّة في كل أرجاء العالم. وحصلت في عام 2012 على وسام الفنون بتنزانيا وكان ذلك آخر التقديرات والأوسمة التي نالتها قبل أن تغادر دنيانا.

وفاة أيقونة الطرب الأفريقيّ:

 توفيت المطربة الزنجبارية بي كيدودي، أم كلثوم أفريقيا أو الجدّة الصغيرة عن عمر فاق المائة وثلاثة عشر عاما وبعد معاناة مريرة مع المرض؛ بعد انتشار خبر الوفاة سلك آلاف الناس طريقهم إلى موقع المأتم بمنزلها وجرت مراسم الدفن به وصار هذا المنزل في السنوات الأخيرة مركز جذب للسواح نظراً إلى شهرة المطربة التي حامت كل أنحاء العالم. ألا رحمها الله رحمة واسعة وأدخلها فسيح جناته بما أثرت ووهبت من حياتها، مالها وعملها لفعل الخير، لحب الناس وحماية البشر من شرور الأنفس وما تخفي الصدور.

*رئيس تحرير الجريدة العربية الدولية المدائن بوست

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.