أن يصادق العربيّ اليهوديّ…! (1)

باكو … البحر والهجرة وصيد الغزلان

د. محمد بدوي مصطفى

باكو والهجرة عبر البحر إلى أوروبا:

عندما أتيت إلى ألمانيا تعرفت على صديق عزيز من دول شمال أفريقيا المغاربية، شخص مغرم بموسيقى الراي الجزائرية وبالشاب مامي (رحمه الله). لم يكمل باكو تعليمه المدرسيّ وربما استمر أغلب الظن حتى الصف الخامس الابتدائيّ. أجد قصة هروبه من شمال أفريقيا ثمّ دخوله إلى إيطاليا عبر البحر ومنها بالبر إلى فرنسا ثم أخيرًا ألمانيا مثيرة لأبعد الحدود. فيها مواقف محزنة، جريئة، مقذعة، مؤلمة، وبعض منها مضحك. الشيء المؤلم فيها أنه فقد بين أمواج البحر بعض الأصدقاء الذين سافروا معه وظلت ذكراهم عالقة بذهنه وكان يذكرهم، يناجيهم ويتحدث إلى أطيافهم في كل لمحة ونفس وكأنهم حقيقة لا يزالون يعيشون في نفسه البضة، يجالسونه ويؤانسوه في قيامه دائما، حتى في قعوده ومنامه. من قبل أن يأتي باكو إلى ألمانيا أسر لي ذات مرّة أن عربة الشرطة الإيطالية حملتهم في ليلة غفراء ووضعتهم على شريط الحدود الفرنسية وقال لهم أفرادها مودعين بكل فرح “طريق السلامة“. لنتخيل يا سادتي أن شخصا ما لا يحمل أيّ أوراقاً ثبوتية ناهيك عن أنها سارية المفعول، فتوقفه الشرطة يوما ما وتطلب منه، وهو في غاية التعجب، أن تقدم له خدمة إنسانية بدون مقابل، ألا وهي توصيله إلى حدود الدولة المجاورة! إليسها من مستحيلات الدنيا السبعة؟! فكم ضحكت لضحك باكو عندما قصَّ عليّ قصته هذه وعلّقت عليه يومئذ قائلًا “ما أحلى هذه الشرطة … العُقبة لشرطة بلادنا!”.

عاش باكو معنا في مدينتنا وبدأ يدأب في وجود حلّ لمشكلته ليتحصل على الأوراق وإمكانية المكوث الدائم بألمانيا لتحقيق أمنيات طالما راودته، منها بناء منزل ببلده، الزواج من شقراء عفراء مفتون عوارضها، وقيادة خنزيرة مرسيدس من الدرجة الأولى. ومن هنا بدأ مشوار حراكه الدؤوب والتماس مع الناس في أوروبا، مع ديانتهم المسيحية، عادتهم وموروثاتهم، ثقافتهم في الأكل والشرب والملبس، التي لم يعهدها باكو إلى تلك الفترة البتّة، لكن رغم ذلك فلم ينسَ إحدى أهم أهدافه ومراميه المحفورة بدواخله: صيد الغزلان!

الإقامة والهروب من الشرطة:

كان باكو دؤوبا في العمل معنا عندما أنشأنا جمعية صداقة أفريقية ألمانية وبدأنا في دعم مدرسة في دولة أفريقية عبر سيدة تدعى مدام سَكادو. كانت سويسريّة الأصل، متزوجة من طبيب أفريقي. لقد تركا العيش بسويسرا وهاجرا إلى هناك وبدأت مدام سَكادو في تأسيس مدرسة نموذجية خرّجت مع مرور السنين خيرة أبناء البلاد. على كل كنا نعقد في السكن الجامعيّ اجتماعات دورية ندعو إليها الزملاء والزميلات من جيراننا في الطابق أو من أولئك الذين يدرسون معنا من الصبيان والبنات في الكلية وكانوا كثر. كان باكو يسكن في تلك الفترة مع صديق ألماني يدعى ساشا، من أصل يهوديّ، أو لنقل كان الأب يهوديا وله منظمة في المانيا والأم ألمانية. لم يعرف باكو، الذي جاء بأفكاره التقليدية شيئا كثيرًا عن اليهود في ألمانيا، حياتهم وماضيهم، اللهم إلا المتداول في طاولات المقاهي وفي الأسواق وصالات تلفزيونات كرة القدم ببلاده. فمكث يعيش من ساشا في نفس الغرفة، يتشاركان الأكل والملبس والمرقد، وبدأ ساشا فورا في تثقيف نفسه في دراسة قوانين اللجوء الألمانية من أجل أن يساعد باكو في الحصول على تسريح اللجوء ومن ثمّة الإقامة التي لم تكن في تلك الفترة بالسهلة لمن أتوا من شمال أفريقيا. كان باكو يعيش حقيقة في الخفاء وكان يخشى الشرطة ويدرك تماما أنه إذا وقع في إياديهم فسوف يُرحّل في الفور إلى السجن ومن ثمّة بالطائرة إلى بلاده. لذلك فقد كان شديد الحرص في ذلك الوقت. سمع باكو ذات يوم من بعض الأصدقاء العرب في السكن الجامعي أن الحكومة الألمانية عقدت العزم في أن تعدّل أوراق كل مخالفيّ قانون الإقامة. وما أن سمع  باكو هذا الكلام حتى سارع لا يلوي على شيء إلا ويحصل على هذه الرخصة … للمبشرين بالجنة على حد قوله. ذهب في اليوم التالي إلى مكتب البلدية وقدم نفسه ليأخذ الإقامة وبينما هو جالس ينتظر الحصول على تأشيرة الفردوس كما يقول، رأى عبر الشباك رجال الشرطة وهم في طريقهم إلى مكان قعدته في المكتب، فهرول كالمصروع هاربا من خلال الشباك الذي جلست خلفه الموظفة وأطلق العنان للريح. ومنذ تلك الحادثة أسرّ إليّ أنه لن يذهب إلى أي مكان ما لم يكن ساشا معه.

حقيقة عندما علم ساشا بالأمر خاف عليه وضمه إلى صدره وقال له: يا صديقي لا تصدق الشائعات التي يطلقها الناس هنا وهناك. كن معنا وسوف نذهب في طريق القانون لنحصل لك على الإقامة. ولم يكن من باكو إلا أن ينصاع لهذا الطلب. وانهمرت دمعة جرت على خدّه أثارت فينا الشجون والأسى تجاه ما حدث. وحمدنا الله على سلامته.

باكو وصيد الغزلان:

ذكرت في أول المقال أن باكو كان يعشق الغزلان وكان يصاحبنا كل يوم إلى الجامعة، يتسلى منذ الصباح الباكر في ترهاتها إلى أن نكمل نحن محاضراتنا فنلتقي في منتصف النهار سويًّا ونذهب لنتناول وجبة الغداء في المطعم الجامعي وفي نهاية اليوم نرجع سويا إلى الدار. كان باكو وقتئذ مثل القناص يحملق طيلة الوقت بعينيه الشاردتين هنا وهناك، يجلس طوال اليوم في باحة الجامعة التي تجتمع فيها طرق كل الطلاب أو لنقل الطالبات ذهابا وإيابا، من مكان المحاضرات إلى الباحة الرئيسية، مكان المقاهي والمكتبات العامة. وقال لي مكانه الذي اتخذه مقنصًا هو المكان المثالي لصيد الغزلان. لم أكن أعرف كيف يمكنه أن يصطاد غزالاً واحدًا بحالته تلك، والمعروف أن غزلان أوروبا تحتاج أغلب الأحيان إلى الحديث و“التحنيك” والمنطق. وأخونا باكو لم يكن يجيد لا الألمانية لا الإتكيت لا علم المنطق، كما ينبغي حتى يغدو من خيرة صياديّ الغزلان، لأنها – كما يُعرف – هي سرّ المهنة. أسرّ لي ذات يوم قائلا: “يا معلم … لقد التقيت اليوم حسناء شقراء تدرس الفرنسية وأنا كما تعلم أتكلم الفرنسية أيضا، فسوف أدعوها إلى مرقص وسوف تذوب بين أضلعي عندما ترى براعتي في الرقص وسوف ترى بأم عينك مهارتي يا ملعون.” لم يكن لباكو أي شروط واضحة في أوصاف الغزلان، هيئتها، الخ، أو لنقل لم يكن عوّافًا كما يقولون، لكنه كان يذكر لي بين الفينة والأخرى مصطلحات توحي بعض الشيء بصورة هذا الغزال المرتقب أو بالأحرى تلك الغزلان المرتقبة لأنه كان يُأمِّل نفسه بالكم والكيف على حد سواء. وكان المصطلح الأول هو “العفسة“. وأنا لم أدرك حتى الآن فحوى هذا الاصطلاح يا سادتي، فإن أرجأته إلى أصله في العربية فسوف أحصل على جذر ثلاثيّ هو (ع–ف–س)، وتعني، بدون تفخيم لام الفعل، كما هي الحال في العاميّة، الآتي: عَفَسَهُ: طَرَحَهُ أَرْضاً وَضَغَطَ عَلَيْهِ ضَغْطاً شَدِيداً. سألته: هل تريد غزالًا معفوسًا، مضغوطًا يعني؟ ضحك وقال لي: ” يا سيدي العزيز، أنت ليست لديك أيّة مهارة في صيد الغزلان، اترك هذا الأمر للمعلم.” قام من قعدته تلك ونفخ صدره حتى برزت كرشه المستديرة وهو في غمرته يعمه بين التطاول والخيلاء. انتهينا من المصطلح الأول، وأراد أن يشرح لي المصطلح الثاني، لكنه عزف فجأة عن ذلك، انتظر برهة ثم رماه أمامي رمية واحدة، قائلا: “شَبُّوعي“. سألته: “غزال شبوعي“. يعني كثير الأكل؟ ضحك ثانية وقال لي، أراك لا تعرف في الحريم أيّة شيء يا سيدي الكريم. دعنا نذهب لنأكل في المطعم ولي معك درس آخر في منهجي: “وحي الألوان في صيد الغزلان“.

باكو، القرآن، الصلايّة والكسكس:

حمل باكو في هجرته الرهيبة تلك عبر البحر الأبيض المتوسط العظيم وعبر صحاري شمال أفريقيا الواسعة بعض الأشياء التي كانت بالنسبة له في غاية الأهمية: خمس كتب قرآن، عدّة صلايّات، ومعرفته الجيّدة بطبخ أكلة الكسكس. فبينما هو في انتظارنا ذات يوم ببهو الجامعة، مشغولا مهولا ومخبولا، وفي غمرة البحث عن الغزلان من العفسات الشبوعيات رأيته واقفا بحجمه الصغير أمام طالبة “فاخرة“، كما تقول جدتي، مكتنزة إلى حدّ الامتلاء أو لنقل إلى حدّ الشبع، شقراء الشعر أطوله، فارهة، وطفق هو ينظر إليها من تحته إلى علاها وكأنه يحتاج إلى سلّم ليرتقي إلى العلا! راقبت وقفته البهيجة تلك وهو يتمايس، يتمايل جزلاً مغتبطا بغزاله الأول. أوحت هيئته في تلك الوقفة وكأنه يطير ويحلق فوق الأرض من الفرح. يا لجمال المنظر! قلت فورًا في نفسي، لقد تعفس وتشبع صاحبنا، فهنيئا له. ندهت عليه من البعد هامسا. فأشار إليّ بيده خلسه وقد وضعها خلف ظهرة، متوسلة حركتها من شدّة التردد بأن أتركه الآن في حاله، فهو مشغول، وكان تردد إشارته اليدوية ملحّة للغاية مما أوحى لي أن الأمر في غاية الخطورة. رأيت ساشا قادما من البعد، فذهبت في اتجاهه لا ألوي على شيء حتى أوقفه ليتنفس باكو الصعداء مع الرفيقة الجديدة لعله يعفس ويتشبع في وحدة ووحشة إلا من خيال أو لنقل دوننا. جلسنا ننتظره قرب المكتبة وأحسسنا أنه ذاب في الحديث حتى سرقه الوقت سرقة، لكنه رغم ذلك أتى متفرهدًا متوردًا يجرجر أذياله جرجرة ويحثّ خطاه نحونا حثًّا.  لم أر يا سادتي باكو بهذا المنظر من قبل. فقد تفتحت أسارير وجهه مائة وثمانون درجة وافترت شفتاه عن اسنانه الناصعة البياض وانغرست وجنتاه في خديها من السعادة والألق. جلس بيننا، أنا وساشا وأومأ إلينا قائلا: كما تعلمان، وجدت الآن غزالا عجيبا، رهيبا غريبا، لكنني لم أستطع أن أروضه كما ينبغي. فما رأيكما أن أهدى إليه القرآن، صلايّة وأدعوه إلى أكلة الكسكس الجميلة في السكن الجامعي في نهاية عطلة الاسبوع، فسوف تكون هدية من ثلاثي شيطاني لم تشهد له جامعتكما من مثيل. وقع الحديث كالصاعقة علينا وتبكمنا أنا وساشا في الفور ولم ننبس. تجهم باكو ساعتئذ لتحجرنا تجاه ما سرد وأحسست بأنه غضب وتركنا الموضوع برهة لنذهب سويا إلى المطعم الجامعي لنتناول وجبة الغداء. فتقدمنا هو وفي طريقنا إلى المطعم الجامعيّ ألقى باكو نظرة أخيرة على المكان الذي كان يقف فيه مع الغزال وأومأ إلينا مبتسما غامزًا، وكأنه يقول، سوف أُريكما فنّ الصيد على أصوله يا بلهاء.

غسيل مخ أم ضرورة وطنية:

جلسنا ثلاثتنا على الطاولة وكنت أدرك وأزعم باكو أيضًا، علمّا بأننا كنا نجلس مع ألماني يهودي، صديق حبيب على أنفسنا، وهب نفسه لمساعدة الآخرين من الذين فقدوا حق الإقامة في ألمانيا، أن الإنسان العربي نشأ طفلا فشابا ثمّ شيخا، ومذ فتّح عينيه على الدنيا تولّدت وترعرعت حينئذ كراهيته تجاه أبناء عمومته من اليهود حتى وإن لم يعش في دولة من دول المواجهة، لماذا وكيف ومتى بالتمام والكمال … الله أعلم! وإن حاولنا أن نتصدى لهذه التساؤلات بالإجابة فستكون الإجابة حينئذ ليست بالسهلة أو لنقل على الأقل ليست في متناول اليد، إن كان المطلب بادئ ذي بدء توجهيّ فسيفرض علينا ساعتئذ القيام بتحليل موضوعيّ وعلميّ أن يكون قادرًا على تفسير تعامل كل فرد مع هذه القضية.  من جهة أخرى فقد تعلم هذا الطفل العربي منذ نعومة أظافره أن كلمة يهودي أو لنقل إسرائيل، أساسا لا مكان لها من الإعراب أو الأعراب، اللهم إلا على شاكلة شيطان أو مارد يَمثُل داخل الأفئدة وفي حنايا القلوب بأقبح الصور وأفظع الأمثال وأنجس الأفعال. وأذكر هاهنا أننا لا زلنا نجلس على طاولة الطعام وكل هذه الأفكار تزدحم في ذاكرتنا، لا سيما في ذاكرة باكو الذي انصدم أول مرّة بأنه علم أنه يسكن مع صديق يهودي. وعرف باكو من بعد عن مساندة ساشا لحقوق الفلسطينيين في تقرير المصير وفي حقهم المشروع في حياة كريمة ببلادهم.

على أيّة حال فأن العرب ورغم عداوتهم الطويلة تجاه اليهود عامة وإسرائيل خاصة لم يفطنوا يوما واحدًا أن يعرفوا ماهية هذه الدولة: أولًا كيف نجحت في أن تؤسس هذا البلد نفسها من الصفر وكيف تمكنت من أن تحيي لغة كانت في عداد الغابرين وأن تعيد إليها ألقها ورونقها وفعاليتها كلغة أغراض خاصة أو عامة وتصل بها إلى مراحل الدراسة في الجامعات وحتى إلى مستويات ما فوق الدكتوراه. بكل أسف، فلا في الجغرافيا درسنا عنها شيئا ولا في علم الاجتماع عن تكونيها البشريّ أو الاجتماعيّ عموما بعد عام ١٩٤٨ ناهيك عن دراسة اللغة العبرية الحديثة (إفريت) في مدارسنا وجامعتنا أو عن حقبة الحرب العالمية الثانية التي زهق إثرها حوالي الستة مليون يهودي في المحرقة. أننا لم ندرس حتى هذه الحقبة التي شاركت فيها الجيوش العربية جنبا إلى جنب مع جيوش الاستعمار. شيء عجيب وتماما على عكس دولة إسرائيل وأهلها، فهم يدرسون ويدرِّسون اللغة العربية، ويبحثون ويتعلمون في حضارة العرب والجزيرة العربية عموما، يبرعون في اختراع المناهج التي تنقل ثقافات العرب، مثلا تعليم الآلات الموسيقية كدراسة آلة العود أو القانون أو الإيقاعات الشرقية التي صارت جزءا لا يتجزأ من ثقافتهم ومن ثمّة اهتمامهم للمقامات الشرقية وتعليمها في مدارس الموسيقى وتطبيقها حتى مع فرقهم السمفونية الكبيرة والذائعة الصيت.

والسؤال الذي يطرح نفسه من أسس لهذه الفجوة المعرفية داخل العالم العربي، أقصد من فرض على كل العرب أن يمسحوا في ذاكرتهم الجمعية كلمة يهودي أو إسرائيلي؟ ليس ذلك فحسب، بل من فرض على العرب جمعا أن يمسحوا قضية المحرقة مثلا وتاريخ العالم الحديث في غضون الحرب العالمية الثانية؟ هناك أسئلة كثيرة تحتاج إلى أجوبة. والعلم بالشيء خير من الجهل به وكما في الحديث من تعلم لغة قوم (أو لنقل ثقافة قوم) أمِنَ شرّهم.

(يتبع)

*رئيس تحرير الجريدة العربية الدولية المدائن بوست

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.