أن يصادق العربيّ اليهوديّ…! (2)

باكو.. الغربة، الجحيم والهروب الدائم

بقلم:  د محمد بدوي مصطفى

صديقي والتطبيع وحلم إسرائيل من النيل إلى الفرات:

جاءتني فور نشري للحلقة الأولى من المقال العديد من الرسائل، مختلف ألوانها، منها الغاضب بشدة والحانق بحرقة، وبعضها الآخر يتبدى تارة متسائلا، تارة مستنيرًا مترقبًا بأن أصرح عن موقفي تجاه القضية الفلسطينية من جهة، وأن أتحدث عن التطبيع من جهة أخرى. اسمحوا لي يا سادتي أن  اصطفي لكم منها رسالتين، جاءتا من أخ كريم وصديق عزيز يقول في أولاهما: “صباح الفل، في انتظار الجزء الثاني من قصة أخونا باكو: أنا مستني الجزء الثاني علشان أعرف أنت مع التطبيع ولا لا! ويستطرد في الرسالة الثانية قائلا: “أنا كنت ملاحظ من مقالة سابقة لك، أنك ميّال إلى التطبيع، لا أعرف بالضبط عن ماذا كان يتحدث المقال الذي كتبت عنه من قبل في صحيفة من الصحف العربية. مستطردًا، بغض النظر عن علاقتي أو ولائي للقضية الفلسطينية، فأنا أرى، منذ أن زُرعت إسرائيل في قلب الوطن الفلسطيني ومنذ أن عقد الرئيس السادات أول معاهدة سلام معهم، ومن بعد تبعها الأردن ثمّ الفلسطينيون أنفسهم في غضون ما يسمى باتفاقية أوسلو؛ الحقيقة، ومنذ تلك الفترة لم تقدم إسرائيل أيّ مبادرة للسلام، وليس في نواياهم أن يقوموا بأي مبادرة في اتجاه السلام الشامل العادل، وأراهم ماشين قدمًا لا يلوون على شيء حتى يحققوا حلمهم الأكبر، ألا وهو الاستيلاء على الأرض المباركة – أرض الميعاد – تلك الواقعة ما بين النيل إلى الفرات، عازمين أن يحققوا هذا الهدف بكل الطرق أو السبل المتاحة أمامهم: سواءًا بالاحتلال العسكريّ، سواءًا عبر الاحتلال الذي تخوله المعاهدات الاقتصادية؛ ونرى الآن إسرائيل قد وضعت دول الخليج تحت ابطها. يا سيدي، اليهود … لا عهد لهم ولا أمان ويجب أن أقول إن السادات غلط غلطة عمره في الاتفاق الذي أبرمه معهم ونحن نعاني إلى هذا الوقت عواقبها! أتعجب لقوله حينما صرح قائلا: “نحن رجعنا سينا”، وسينا أنت لا تملك فيها قيراطًا واحدًا، والقيراط هو أتفه شيء، يعني لا ناقة لك فيها ولا جمل! أعطيك مثال، فعند إدخال أي سلاح إلى سينا فلابد من أخد الإذن من إسرائيل ومن جهة أخرى، هم لا يستطيعون حتى أن يسيطروا على شوية عصابات موجودة بسيناء، لذلك سينا ليست لنا وهذا هو الواقع. ونجدهم يعيدون نفس القصة أو السناريو مع الأردن، فعندما أبرمت الأردن اتفاقا مع إسرائيل، فبربكم ماذا جنت من هذا الاتفاق؟ وماذا نال الفلسطينيون عندما أبرموا اتفاقية أوسلو؟ لا شيء، نعم، العدم ولا شيء! وبعد كل هذه التهريجات نراهم يتوسعون في رقعة المستوطنات “دون إحم أو دستور”. بالله عليك، دعنا نلقي نظرة ولو لمرّة واحدة لخريطة الضفة ومواقع المستوطنات فيها، والتي يرمز إليها ببقع حمراء، نجدها تقريبا ثلثين من المجموع الكليّ. كيف يمكن أن تقام دولة مستقلة توجد بها مستوطنات؟ فماذا يعني هذا الحلّ الذي يُفضي بإقامة دولتين مستقلتين؟ كيف، يمكن أن تتطبق هذه النظرية في أرض الواقع؟ مستحيل. والحل الذي أراه ممكنا في نظري، أن تحلّ السلطات الفلسطينية نفسها وتعلن أنهم محتلين وأن إسرائيل هي دولة احتلال وأن يقاوموا، وإما أن يستسلموا ويعيشوا تحت حكم الأبارتيد (التفرقة العنصرية) كما كانت الحال في جنوب أفريقيا وأن يتكاثروا وتقوى شوكتهم وحينما تُقام انتخابات يدخلون فيها بأنفسهم. كفكرة إسراطين، وكما يعلم البعض منكم أنها كانت من بنات أفكار معمر القذافي، وكان يدعو فيها لأن يعيش اليهود والفلسطينيون جنبًا إلى جنب وتحت علم موحد يسمى إسراطين. على الرغم من غرابة الفكرة إلا إن فيها شيء من الوجاهة.

على كل لا يمكن أن ينتصر المسلمون على اليهود إلى قبل قيام الساعة بشوية، والمنطق أن يقام معهم سلام شامل عادل، لكنهم لا يريدون السلام، فالحل هي الحرب، المقاومة أو المقاطعة. بس، لا غير!

هكذا سرد لي صديقي، الذي انتظر ردّة فعلي وأن أصرح بميولي الشخصية في قضية التطبيع. سألني بعد أن أرسل رسالته الأولى قائلا: لازم تواصل في قصة أخونا باكو، أود أن أعرف ماذا حدث له في غياهب الغربة. فأجبته: لا عليك، سوف أواصل معكم قصته، لأنها أثرت فيّ بشدة، لا سيما وأنه ظهر في حياتي من جديد بعد غيبة طالت الثلاثة عقود لم اسمع فيها عنه شيئًا.

باكو والهروب بليلٍ أعشى:

بلغ إلى مسمع ساشا أن الشرطة نشطة تلك الأيام وأنها قد داهمت عدّة منازل كانت تأوي بعض طالبيّ اللجوء الأفارقة وحملتهم – كما هو معهود إلى سجن الترحيل – دون أدنى حوائج تستر أجسامهم النحيلة أو أن تحميهم من وطأة البرد؛ أخرجتهم حفاة عراة، شُعثاء مغبرين، أمام مسمع ومرأى من بعض المتطفلين وفي ليل بهيم. وما أن أدرك ساشا خطورة الموقف بالنسبة له ولصديقه باكو، حتى طلب منه في التو وتحت أستار تلك الليلة الهاجرة أن يضم أغراضه وكل ما معه من متاع، وحقيقة لم يكن لباكو شيء يذكر يملكه، اللهم إلا بعض من ملابس مهترئة وكتاب القرآن وسجادة أهدته إيّاها أمّه قبل السفر من بلدته. وضع باكو في مهلة أسرع من لمح البصر هذه الأغراض في شنيطة صغيرة حمراء، ولبس حزامها متدرعًا إيّاه على ظهره، ومن ثم أسرع في لبس حذاءه المهترئ وتوكل على الله. اتخذ ساشا ركنًا هادئًا بتلك الغرفة الصغيرة واتصل هاتفيا بأحد الأصدقاء من أولئك المحسنين الذين دعموا مسيرة باكو، وأن يستعجل حاله ويأتي في الفور إلى السكن الجامعي إذ أن الأمر لا يحتمل أي تأجيل، مرددا له في أن يحضر في أسرع مما يمكن، بالسيارة بطبيعة الحال. لم يستطع باكو أن يودع أي من الأصدقاء بالسكن الجامعيّ، الذين كانوا لا شكّ يسبحون في نوم عميق، ولا حتى غزاله السبعينيّ، السيدة هلقة، التي كانت حيلته وصيدته الوحيدة التي خرج بها من حملته التي أعلنها على شقر الغزلان من صبايا الجيرمان. أي نعم، كانت شقراء، لكنها سبعينية، نحيفة إلى حدّ الخواء، شمطاء ناشفة كالعود، وليست كتلك التي كانت مرسومة في مخيلته بفرعها الشبوعيّ الفاره. لذلك فكلما كان يذكرها ويذكر نشافها يمتعض ويناديلها بهلقة الكلبة، وينادي الغزال الجامح الذي لم ينل منه إلا أحاديثاً فارغة رغم وقوفه معه الساعات الطوال بفناء الجامعة ب “تراودي البقرة”. وكانت تلك العبارات ما هي إلا متنفس لشخص كان يعتقد في دخيلته اعتقادًا راسخًا أنه جُرح من طعنات الدنيا وخلدت فيه لطمات النساء جرحًا غائرًا وعاست بروحه الأيام في أغرب حقبها سوءًا وظلمًا. كان يؤمن أنه لم ير منها إلا الشرور والغبن والبكاء والنحيب.

ارتفع صوت ساشا مناديًا. ماذا تنتظر بربك؟ لقد وصلت السيارة، دعنا ننطلق قبل أن تحلّ بنا مصيبة أخرى. فما كان من باكو إلى أن هرول حاملًا شنيطته الحمراء ولم يتسنَ له أن يودع غرفته، أو لنقل غرفة صديقه ساشا التي أوته طيلة هذه المدّة والتي لم تكن بالقليلة. فهي يا سادتي، سنتان وسبعة أشهر وعشرة أيام على وجه التمام والكمال. قضى فيها باكو حياته هنا متسترًا ألا يقع في شراك عيون متربصة. بالطبع لم تكن هذه الأيام بالنسبة له فترة نقاهة، رغم أنه هجر موطنه وأهله ووصل بعد عناء ودأب وتجلد إلى البلد الذي كان يحلم به، ويعتقد أكثر الناس في شمال أفريقيا – كما يحكي باكو – أنها جنّة الله على الأرض. لكنها كانت بالنسبة له سقر وجحيم الدنيا المتجدد في كل لمحة ونفس. ومن المؤسف أن هذه اللهيب قد صلى أيضًا قلب ساشا، صديقه الوفيّ، الذي أواه طيلة هذه المدة، مجازفًا بحياته وسمعته وأمنه أمام عيون الناس “والحيطان”، لكنه كان دائما يُعيد للكل قائلا: “أهلي عاشوا في غضون الحرب العالمية الثانية نفس الوجع الذي يعيشه باكو الآن، وأنا أحس بأن مجيء باكو قد أضرم نيران هذه الذكرى المؤرقة التي لابد أن تبقى في وجدان كل البشر، حتى يتعلم كل شخص أن اللاجئ مهما كان أصله، لونه أو اعتقاده، فهو في الآخر إنسان من لحم ودم، إنسان يرنو للأمن والأمان ويحتاج لرعاية وحنان ليخرج بنفسه وذويه إلى برّ الأمان.

البحث عن مأوى … البحث عن إنسانيتي:

أوصلت سيارة الصديق ساشا وباكو إلى الحدود الفرنسية، إلى قرية منزوية عن آلام العالم، حالمة، آمنة ومطمئنة، ساكنة ترقد على مراعيها الخضراء دون أن تحس بألم الغير، ذلك في قلب مقاطعة إقليم الألزاس الفرنسيّ. مكان سُطر على ترهاته بمداد الصبر الذي حمله باكو في جعبته الآتي: “البحث عن مأوى … البحث عن إنسانيتي”. لم يكن باكو يعرف اسم هذه القرية، أو لنقل أين مكان هذه الجنّة من الإعراب، هل يا ترى هي نفس الجنة التي ربما خرج منها آدم وحواء بسبب تفاحة مسمومة أو بعمل إبليس لعين؟ المهم أنه لزم سراطه المستقيم، وجعل يحث خطاه حثًا، مبتعدا عن المكان الذي هجعت به السيارة التي أقلتهما، هو وصديقه ساشا. طفق يمشي ويسبح في سكون الليل، ألقى نظرة سريعة وأخيرة إلى الوراء حيث تقف السيارة ولا تحرك ساكن، ثم إلى صديقه ساشا والسائق المرافق، وأشر له ساشا بيده مودعًا ثم مشيرًا إلى جهة ينبغي أن يولي وجهه قبلتها: غابة كثيفة تبدّت موحشة من على البعد فهل يا ترى يترجل باكو ويدخل في جنباتها؟! أم يطرق أحد أبواب بيوت القرية في تلك الليلة الحالكة؟ ماذا يا ترى إن رأوه غريب الوجه واليد واللسان؟ ماذا كانوا سيفعلون به؟ ابتعد باكو من المكان رويدًا وريدًا وبدأ جسمه المضطرب المتوجس يذوب في ظلام الليل الدامس وكانت ليلتئذ لفحات البرد قد امتدت أياديها على كل جنبات الأمكنة التي ساقته رجلاه إليها.

كانت روح ساشا وهو في طريق العودة بالسيارة تكاد أن تُقتلع من شدّة الأسى والحزن على فراق صديقه الأمين، حيث جمعتهما لحظات خالدة لن تنسى، تعرف فيها أحدهما على الآخر، ضحكوا سويًا، سهروا معًا، هاموا، حزنوا وبكوا سويًا كروح واحدة بجسد واحد. والغريب في الأمر أن الصدفة هي التي جمعت بينهما، ولم يكن يتوقع أحداهما أن يقابل أخيه في هذه الدنيا الدوّارة! على كل بقت الذكريات تدور في دخيلة باكو، وجلع يحث الخطى أكثر وأكثر لا سيما عندما طرأت عليه فكرة شيطانية: “لماذا لم أتزوج تلك المرأة السبعينية. هل كانت سترفضني، إن طلبت منها الزواج؟ عاشت معي، عركتها ولم أترك لها جنبا تنام عليه، أريتها أن العربيّ فحل صنديد، ولا يخشى في نواشف الغزالان لومة لائم.” كانت هلقة تدلعه أيما دلع، تناديه بكلمة “شاتسي” وكأنها تقول يا “روحي”، وعندما كانت تذهب إلى السوق كانت تحضر له من خيرات الأكل والشرب ومن الطيبات ما لا عين باكو رأت ولا أذن له سمعت، وكان باكو عندما يراها محملة بالأكياس والأدباش والأغراض، تتفتح أسارير وجهه، يبتسم حتى تظهر نواجذه ويقول ساعتئذ في سريرته، “ما أجمل الطيبات التي تأتي بالطاقات والطاقات تعود علينا سويًا نحن الاثنين يا ملعونة!” يسترسل في أفكاره، يتأمل، “سوف أكافئ صنعيها بالمثل، ولأرينها نجوم الليل بالنهار، صبرًا يا هلقة، فعندما يسدل الليل أستاره وتهجع الطيور إلى أوكارها سوف ينشط ثعلبك الوديع وسوف يبحث عن الفريسة، فقد كره أكل الخضار وحان وقت اللحوم!”

أفاق على حركة يدّ تهز جسمه هزًّا متواترًا لكي يفيق من سباته العميق، ترددت الحركة مرارًا وبإلحاح. كان يحسب أن هلقة تدعوه أن يتقعّد لتحضر له وجبة الفطور كما كانت تفعل كل صباح. صاح في رقدته تلك: “هلقة، بالله عليك، دعيني أهجع بعض الشيء!” لكنه تفاجأ بصوت تهادي إليه في رقدته تلك، يحدثه بلغة أخرى، يفهما قائلا: مسيو، مسيو! وأدرك ساعتها أن كل تلك الخواطر التي طرأت في مخيلته ما كانت إلا ضربًا من الهواجس والأحلام والكوابيس، نعم، كانت أضغاث أحلام لا غير! استعاذ بالله منها وجلس يجهز حاله للقيام لمعرفة ما تريد منه هذه الشخصية الواقفة فوق رأسه.

فرنسا والرحيل إلى بلدة إيطالية تتحدث الألمانية:

صاحت صافرة القطار معلنة بوصول مدينة – لم يتبينها – إلا بعد أن سأل من بجواره: “أين نحن؟”. فردت عليه سيدة عجوز بالفرنسية، بعد أن حدقته بناظريها في استغراب واستهجان: “ميلان”. فأدرك باكو حينئذ أنه وصل بأمن وأمان إلى إيطاليا دون أن تعترض طريقه عيون فرنسية أو إيطالية، لا في البر ولا في القطار. خرج وتراءت له الدنيا مختلفة، مغايرة وداكنة، ليست كدنياه الآمنة التي عرفها في ألمانيا، حيث كان كل شيء بسيط: غرفة ساشا، السكن الجامعي، بيت غزاله السبعينيّ هلقة الكلبة، صاحبة الفرع الشبوعيّ تراودي البقرة، وحديثهم إليه بلسان ألمانيّ مبين. كل ذلك اختفى في لمح بالبصر. ميلان، آه، أعرف فريق كرة القدم، ولاعبه الذي هزم الألمان وقتذاك “ماريو بالوتلي، ذاك المارد الأسمر” الذي حطم شباك المانشافت وبكت سنتئذ كل ألمانيا، نعم بكى ساشا وهلقة وتراودي وكل النّاس من حوله في السكن الجامعيّ.

ميلانو … اللغة الإيطالية، يا إلهي حديث الناس هنا غريب، حركاتهم أيضا، ملبسهم، كل شيء في هذا المكان يوحي بأنه منفر، مضطرب، فضلا عن الضوضاء التي لم يعهدها. شهد باكو من على البعد شخصًا كان قد لمحه بالقطار الذي أتى به من فرنسا؛ توحي حركاته وتقاطيع وجهه وتعابيره بأنه عربيّ من شمال أفريقيا. حمل باكو شنيطته الحمراء وهرول لا يلوي على شيء حتى يلتقيه قبل أن يتبخر خياله في زحمة المحطة المزدحمة بالبشر. صرخ في اتجاهه بينما كان الآخر يجري ليلحق بقطار آخر في رصيف رقم 6. أحس المنادى أن الرجل الذي يناديه في حاجة ملحة إلى الحديث إليه. توقف وبدأ حديثه معه. بعد ساعة جلس الاثنان في كابينة واحدة بنفس القطار وطفقا يتحدثان عن هدفهما الجديد، الوصول إلى مدينة هذا الغريب.

(يتبع)

*رئيس تحرير الجريدة العربية الدولية المدائن بوست الاسبوعية الصادرة بألمانيا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.