الاحترام والإنسانية وحسن المعاملة.. ميزات تتسم بها المستشفيات السويسرية 

كاب24 تيفي – الغالي محمد الرشاشدة (من زيوريخ):

اتجهت في حدود الساعة الواحدة و45 دقيقة  الى مستشفى “ترملي شبيطال” رفقة صديق لي، بعدما المّ به مرض مفاجئ على مستوى الرأس والبطن، للوصول للمستشفى كان لدينا اربع خيارات، أولها الاتصال بسيارة الإسعاف والتي ستأتي في الحال أو الذهاب بسيارته ، اما الخيار الثالث فكان الذهاب بالحافلة، لكننا آثرنا الخيار الرابع والمتمثل في سيارة الأجرة، فاستغرقت الرحلة عشر دقائق و كان ثمنها 25 يورو ، دخلنا الى المستعجلات في حدود الساعة الثانية زوالا، لم يكن هناك رجال الأمن الخاص في باب المستشفى كما هو واقع الحال عندنا في المغرب بل استقبلتنا سيدة بابتسامة عريضة في الأربعين من عمرها بعدما انتظرنا على الأكثر 10 دقائق، في ذات الوقت تذكرت تجربة شخصية كنت قد مررت بها في احدى المستشفيات بالمغرب، حينما كان احد اقاربي يرقد بالمستشفى مريضا وكيف كان الاستقبال وقلة الاحترام وانعدام الانسانية والرحمة عند من يسمون بملائكة الرحمة والكثيرات منهن بعيدات كل البعد عن هذا الوصف، أو من جانب بعض من أولئك الذين أدوا اليمين بحفظ صحة المغاربة، وكثير منهم بعيد عن هذا المبتغى.

بدأت الممرضة في طرح بعض الأسئلة على صديقي حول نوع الالم الذي يشكو منه، من قبيل مماذا تشكون؟ منذ متى قد الم بكم هذا المرض ؟ هل أخذتم أدوية قبل المجئ إلينا ؟ هل تعانون من الحساسية او مرض اخر؟ هل تستعملون أدوية لأمراض اخرى؟.

كان أول ما أثار إنتباهي في أسئلتها وأنا أستمع اليها، انها كانت كلها بصيغة الاحترام، لم يكن من  صديقي الا ان يرد عليها بكل احترام عن  كل أسئلتها، بين الفينة والأخرى كنت أساعده في الإجابة، لأنه لم يكن يقوى عن الحديث  لشدة الالم، ما أن انتهى من اجاباته حتى طلبت منه  البطاقة الوطنية وبطاقة التأمين الصحي، وبمجرد ان ادخلت اسمه ورقم تأمينه الصحي حتى وجدت كل البيانات المتعلقة به وبعدد الزيارات التي قام بها للمستشفى منذ تاريخ قدومه لسويسرا الى يومنا هذا، والعملية الجراحية  التي قام بها سنة 2012 حول الأمعاء وكل الأشياء التي تخصه، دون ما حاجة الى الملفات الورقية.

انتهت مرحلة الاستقبال لتبدأ مرحلة التشخيص، سألت الممرضة صديقي اذا كان قادرا على المشي ام تحضر له كرسي متحرك، اذا لم يكن قادر على  الحركة على قدميه، توجهنا برفقتها الى قاعة أخرى حيث مكثنا فيها قرابة 7 دقائق  في انتظارها، بعد عودتها اصطحبتنا الى احدى غرف المستعجلات، التي كانت مقسمة الى اربع غرف صغيرة، تحتوي كل واحدة منها على كل المعدات الضرورية لإسعاف الحالات الصعبة.

دخلنا الى الغرفة  معا، حيث يسمح للمريض ان يرافقه احد أفراد عائلته او أصدقائه، لم نلبث الا قليلا حتى أتت إلينا ممرضة في الخمسينيات من عمرها، استقبلتنا بابتسامة عريضة وألقت علينا التحية، طلبت من صديقي ان يزيل ملابسه، بعدما احضرت له قميصا وايزارا جديدا.

بدأت في بداية الامر بقياس درجة حراراه وتركيب بعض الآلات في يده اليسرى وأخذت له  قليل من الدم، وهي تقوم بواجبها بكل حماس واتقان ولباقة، في هذه الأثناء تدخل علينا شابة في مقتبل العمر في الثلاثينيات من  عمرها وبابتسامة عريضة وبطلة بهية، تلقي التحية علينا  وتبدأ عملها في الحال بعدما قرأت ملفه الطبي، بادرته بالسؤال عن المرض وعن الالم الذي يشعر به، دام الحوار تقريبا 10دقائق، تدقق في كل صغيرة وكبيرة، تسأل عن أدق التفاصيل وعن كل الامور التي لا تخطر على البال.

بعدها طلبت منا ان ننتظر قليلا حتى تقوم بعمل تحليل للدم لمعرفة أسباب المرض، لم ننتظر الا دقائق معدودة حتى جاءت ممرضة اخرى احضرت له بعض الأدوية لإزالة الالم، تناول صديقي الأدوية وجلسنا 20 دقيقة لتعود الدكتورة مرة ثانية، حيث احضرت له كريم لذهن لسانه الذي كان به فطريات وعمل تحاليل عليها، كما قامت بمراقبة أذنيه وعينيه وبطنه وبعض الأجزاء الاخرى من جسده.

وفي هذا اللحظة تملكني شعور بالألم والاحباط والحسرة وكل عبارات اللغة العربية التي لها علاقة بواقع الصحة المرير في بلدنا، وخاصة المعاملة اللاإنسانية والمجردة من كل أحاسيس الرحمة والرأفة، سيما وان تعاليم ديننا الحنيف تحث على العناية والرعاية والاحترام بالأصحاء فما بالك بالمرضى.

تبادرت إلى ذهني العديد من الأسئلة من قبيل، ما بال البعد الإنساني الذي غاب عن بعض دكاترتنا وممرضينا وكل العاملين في القطاع الصحي؟ لماذا يتم معاملة المريض بنوع من الازدراء وعدم الاحترام خاصة وانه يكون في وضع  نفسي يستحق كل الاهتمام  والرعاية؟ لماذا يتم دائما التفكير في الجانب المادي وتجاهل الجانب الإنساني؟ ألا يستحق المريض وعائلته عموما ان يعاملوا  معاملة تليق بآدميتهم؟.

بدأت حالة صديقي في التحسن شيئا فشيئا، وطيلة هذا الوقت وانا بجانبه لم أفارقه ولو لحظة واحدة، ولم يسمح له بمغادرة غرفة المستعجلات الا بعدما احس بتحسن كبير وشعروا بأنه أصبح في حالة لا تبعث عن القلق، في هذه الأثناء عادت الدكتورة من جديد، محملة بنتيجة التحاليل وبعض الأدوية التي يجب عليه طيلة أربعة ايام اخذها بانتظام.

وعند سؤالنا عن أسباب المرض أجابت  الدكتورة ان سبب المرض يعود  الى فيروس يوجد  في الجو، هو الذي كان وراء ارتفاع درجة حرارته وشعوره بالتعب والعياء وألم الرأس، منبهة إياه الى ضرورة أخذ الحيطة والحذر واتخاذ كل التدابير اللازمة للوقاية من هذا الفيروس لئلا يعاوده المرض مرة أخرى.

قضينا هناك اربع ساعات وما يزيد، غادرنا المستشفى وفي نفسي حسرة كبيرة على واقع التطبيب في المغرب، لا اريد الحديث عن المعدات التقنية المتطورة التي يتوفر عليها المستشفى والوسائل اللوجيستيكية وجودة الخدمات والنظافة بالمستشفى،  فتلكم قصة اخرى ، لان الفوارق كثيرة بينا وبينهم.

لكن اثرت الحديث عن البعد الإنساني الذي يمكن ان يتساوى فيه العاملين في القطاع الصحي بسويسرا والمغرب، لكني صدمت لما شاهدته وعشته طيلة اربع ساعات داخل مستشفى “ترملي شبيطال” بمدينة زوريخ، كنموذج لما هو عليه الحال بباقي مستشفيات سويسرا التي لا يتم التمييز فيها بين غني ولا فقير ولا بين مسؤول ولا مواطن عادي، إنما يتم التعامل مع الانسانية بكل مظاهرها، وبين سياسة التمييز واللاإنسانية السائدة في اغلب مستشفياتنا مع بعض الاستثناءات المحسوبة على رؤوس الأصابع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *