الجهل وسياسة التجهيل.. فخلصونا من خنازيركم

بقلم: محمد عبيد

لم يعد الشارع المغربي يتكلف عناء التفكير في السياسة أو في أحوال رجالها الذين يصارعون في الوقت الضائع من أجل مكان داخل المنظومة المريضة بداء الجرب، كما لم يعد المواطن المغلوب على أمره يعرف حتى اللون السياسي الذي يميز المنتخب الذي أعطاه صوته، فالألوان كثرت والأحزاب اختلطت عليه، وبرلماني المدينة في حالة فرار دائم، فرار من واقع مرير وعد يوما  أنه سيسهم في نمنمته وتنميقه بركام من التمني الذي لا يحقق المطالب.

لا شك أن الماضي بتراكماته ورغم رجعية التعامل مع كثير من أحداثه التي أثرت في راهننا السياسي المريض، يبقى فاعلا ومؤثرا أساسيا في حاضرنا، وإذا ما اعتبرنا الأخطاء الجسيمة التي اقترفها سياسيونا الكرام، مجرد هفوات ينبغي نسيانها، فلا بد وأن نفكر بالجدية اللازمة في سبل التخلي عن مبادئنا دون مزيد من الخسائر أو الإحباطات، لأن المبادئ أو المواقف لايمكن أن تضمن للمرء حرية التواجد كفرد مفكر، في طوابير الأغبياء الذين يتنطعون على كراسيهم، ولا يطلون على العالم إلا من خلفية زجاجية لنظارات فاخرة. فأحوال سياسيينا ومنتخبينا وبرلمانيينا الكرام لا تسر الناظرين، متجهمون عابسون غارقون إلى نواصيهم في ترتيب البيت من الداخل، ولملمة الشظايا والأوراق التي بعثرها انشقاق أو خيانة أو وشاية أو عصيان أو استقالة، فالكائنات السياسية يسمع وقع دبيبها في المحافل والمقاهي وحتى في الحانات والمواخير، حراك مستمر وجعجعة تصطك لها الآذان، وحشد من هنا وتأليب من هناك…

ولأن عطر التغيير فاح شذاه في كل الأرجاء، فلا بد وأن يفكر الملازمون لكراس السياسة وإن كانت مهترئة تجود بها عليهم أصوات الصناديق الشفافة، في أساليب جديدة تتماشى مع هبات هذا النسيم، فبعض منهم يدعي النضال بكل مرادفاته القريبة من مثيل الوحدة والتشارك والتلاحم والتصدي والانخراط وغيرها من الألفاظ الدالة، وهو استيلاء مفضوح على أفكار ليست لهم، وتبن ٍ غير شرعي لمواقف بعيدة عن ميولاتهم الرخيصة..

فأما آن الأوان ليفهم هؤلاء أن الزمان قد تغير؟ ويتطلب مع هذا التغيير تغيير العقليات للعمل على إيجاد برنامج استعجالي لإنقاذ البلاد والعباد بما يتناسب مع الشروط الموضوعية، من أجل القضاء على الأسباب المؤدية إلى انتشار الفقر في صفوف الكادحين، كالعمل على القضاء على الأمية، والسعي إلى خلق فرص العمل، وعلى جميع المستويات المحلية والإقليمية والجهوية، وإعادة النظر في البرامج الدراسية المعتمدة حتى تتناسب مع متطلبات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية، والتخطيط لربط التعليم بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية، والسعي إلى إحداث ثورة صناعية من أجل استغلال القدرات والكفاءات المتوفرة للانتقال من الاعتماد على اقتصاد الربح إلى الاعتماد على الاقتصاد الصناعي الإنتاجي، ومن أجل التخلص من العطالة المتفشية في البلاد حتى لا يضيع الشعب، نظرا لما تتكبده هاته البلاد من مصاريف من أجل إعداد الأجيال الصاعدة، وحتى تكون تلك المصاريف مساهمة في تطور وتطوير العملية الإنتاجية.

وبالإضافة إلى ذلك، لابد أن تكون الحكومة ديمقراطية ضامنة للخدمات الاجتماعية لجميع المواطنين على أساس المساواة فيما بينهم. كما يتوجب الامر العمل على التخلص من كل عوامل تكريس الاستبداد على أرض الواقع، وذلك، عن طريق العمل على احترام الدستور، باعتباره قانونا للدولة، ومرجعا لكل التشريعات السائدة، وتفعيل المؤسسات التمثيلية الحقيقية، حتى تقوم بدورها في إعداد البرامج، والتشريعات، التي تخدم مصلحة الشعوب العربية، ومحاسبة الحكومات العربية على الالتزام، أو عدم الالتزام بتطبيق تلك التشريعات لصالح الشعب، ومن أجل ضمان إيجاد حلول فعلية، وواقعية للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية، من أجل الانتقال بالشعب من مستوى التخلف إلى مستوى التقدم والتطور الذي لابد أن يحول الدولة إلى مصاف الدول السائرة على الأقل في طريق النمو قولا وفعلا وميدانيا.

يروى أن رجلا يهوديا كان يعاني من الإملاق، فقصد الحاخام واشتكى له فقره وقلة حيلته.

فرد عليه الحاخام الذي كان يترأس الجالية اليهودية وأغناهم: لقد وقع خنزير بري في فخ نصبه الخدم في ضيعتي وكما تعرف، لا نحن ولا المسلمين نأكل لحم الخنزير، لذلك أرسلت لصديقي الجزار الفرنسي في المدينة المجاورة وسيأخذ بعض الوقت ليتسلم الخنزير، لذلك سأعطيك إياه، وعليك إطعامه حتى يحضر الفرنسي، وسأتنازل لك عن ثمنه لفك ضيقك.

رد اليهودي: ولكن يا سيدي، أنت تعرف أنني أعيش في غرفة مع زوجتي وأمي وأمها وثمانية أولاد!! فكيف سنستطيع العيش مع خنزير شرس وكيف سنستنشق الهواء من روائحه؟ إنه خنزير !!

رد الحاخام: هذا هو عرضي الوحيد !!

قبل اليهودي العرض وحفر وتدا في أقصى غرفته وأحضر له الخنزير وربط بسلسلة حديدية وعاش شهرا في كرب من نوع أخر، بين رعب من أن يقترب أحد أطفاله من الخنزير فيقتله وبين الروائح التي لاتطاق !!

وفي صباح أحد الأيام، طرق بابه الجزار الفرنسي، واستلم الخنزير وأعطاه قدرا من المال، وقصد الحاخام الذي أخذ منه المبلغ وأعطاه ثلثه!! وقال له: الباقي نصيبك لإخوانك الفقراء من أبناء جلدتنا !!

وسأله: كيف حالك الآن؟ فقال: لقد نسينا فقرنا لمدة شهر!! والآن تخلصنا من عِبء ثقيل ورغم أن نصيبي لا يتعدى دراهم معدودة إلا أنني مسرور لأنني سأذهب لبيتي وسأستنشق هواء نقيا وسأراه واسعا رغم ضيقه!!

ضحك الحاخام وقال لليهودي الفقير: لقد أمرت بحفر فخاخ كثيرة وكلما حصلنا على خنزير جديد، سنتركه لديك وبذلك ستحصل على ما ستسد به رمقك وستنسى فقرك مدة احتفاظك به …

العبرة من هذه القصة تفيد أن الجهل وسياسة التجهيل عبر عدة عقود، أنتجا جيلا سقطت فيه المنظومة الأخلاقية وأصبحنا نرى خنازير على شكل بشر، وهناك من يستمتع بهذا الوضع!! حتى ينسى الجميع المطالَب الأساسية في التعليم والصحة والعدل … ويصبح مطلبنا الوحيد: “خلّصونا من خنازيركم!”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.