الحريك.. إعلان صريح عن موت سريري للوطن!

بقلم: محمد عبيد

يمكن اعتبار حلقة الجمعة الأخيرة من نونبر المنصرم 2019 لبرنامج رشيد شو الذي تقدمه قناة “دوزيم” بالحلقة المتميزة من عمر هذا البرنامج حين خرجت عن المألوف بتخصيص الحلقة لمعالجة ظاهرة الحريك باستقطاب بعض الشباب الذين كشفوا عن تجاربهم مع الظاهرة سواء منهم الذي حقق هدفه منها أو ذاك الذي لم ينل منها مبتغاه… وخاصة عندما عزز البرنامج حلقته بعرض شريط قصير قرب الظاهرة من جانب معاناة أهالي بعض الحراكين من مدينة الفقيه بنصالح الذين خلفت مغامرة مأساة وطنية… لتستوقفنا الحلقة على ظاهرة الحريك حين يستذكر معها كل من تتبع الأحداث الأخيرة التي كشفت عن مغامرات لا محمودة لعدد من شباب البلاد وهو يركبون قوارب الموت بوعي وليس عن جهل، خاصة عندما سيستوقفه بكل أسى وحزن ذلك الفيديو الوارد على موقع اليوتوب لشاب وهو يعلنها صرخة مدوية بالقول: “واخا حركوا، وماتوا حدايا، مازال باغي نحرك، وماشي مشكل نغراق فالبحر”.

تعبير جد مؤلم خاصة عندما نعلم أن المرء سيستشعر مهما سمت درجة وعيه وثقافته ومهما كان لبيبا بأنه في حالة التعبير عن ظاهرة الحراك وخاصة عبر قوارب الموت وما تخلفه من فواجع، أنه ينافق نفسه قبل الآخرين. وذلك حين يتظاهر بتجاهله للدور المهم للشباب في بناء المجتمع كون هذا الشباب هو عماد الوطن والأمة، وهو من ينهض بالوطن، ومن يساهم في نجاحه والدفاع عن القضايا العامة فيه، لتحصيل الحقوق المختلفة لكافة شرائح المجتمع، وهو من يصنع القرارات، من خلال مشاركاته السياسية في الانتخاب وصنع القرار، وتعزيز حب الوطن، والتعريف به، مادام نمو المجتمعات وتقدمها وازدهارها يتوقف إلى حد كبير على الشباب باعتبارهم من أهم الموارد البشرية للمجتمع وأكثرها طاقة وفاعلية، شريطة توفير هذا الشباب كل ظروف ووسائل العيش الكريم.

فمهما عبر هذا المرء الممكن اعتباره باللبيب عن أساه قبل أسفه مما ينتشر في مدد زمنية متقاربة من أخبار ووقائع تعلن عن قذف أمواج البحار لجثت بشرية جلها لشباب في مقتبل العمر جلهم من حاملي الشهادات على الأقل الثانوية التأهيلية لن يمكنه أن يخفي داخل هواجسه التعبير عن سخطه للأسباب والمسببات من وراء هذه الكوارث الإنسانية محملا كامل المسؤولة للدولة بمختلف أجهزتها وهياكلها ومؤسساتها الإدارية.
فلقد أضحت ظاهرة ركوب قوارب الموت تعد مشكلة حية من خلال ما تخلفه من مآسي في صفوف شريحة جد مهمة من المجتمع المغربي خاصة منها الشباب وصرنا نسمع كل حين بانتشال غرقى وموتى وضياع، ليمعن المرء في الحوادث المتطابقة وليس فقط المتشابهة، فيخلص إلى أن هذا الأمر لا يتوقف عند المغامرة بركوب القوارب عن الراشدين بل تعداه أمر تعمدها إلى أطفال ومتمدرسين صغار وقد غزت عقولهم بشكل مثير وأكثر إثارة حين يعلم أن من بين هؤلاء الشباب الذين أصروا على الهجرة بأي ثمن وبأية وسيلة كانت ولو على حساب حياتهم وكأني بهم يفعلون القولة المأثورة:”ما طالعاش ماطالعاش؟”، ومعلنين بغير إرادة عن المقامرة بحياتهم:”ربحة ولاََّ ذبحة؟”. شاهرين تذمرهم بأنه يهون عليهم مآلهم وكاشفين على أنهم مدركين وبدراية للوضعية التي تضعهم في صف العابر فوق الصراط الذي يرى الجنة في الوصول والنار في البقاء؟. وبالتالي يلقي نفسه للمجهول في زورق صغير يتحدى فيه الطبيعة ويقاومها من أجل تحقيق مشروعه الهجري وليكون من خلال نظرية تقوم بما أوتي لها لتحدي الاشمئزاز والقبول بمغامرة الحراك عبر قوارب الموت كوسيلة مترجمة لواقع العيش الذي عانى منه وكباقي نظرائه من المغامرين، بل الأنكى حين تتعداه المشاعر إلى قطع الصلة بأصولهم فضلا عن هويتهم ووطنهم، ولو ظرفيا قد يطول أو يقصر زمانه، إن لم يكن أبديا، فيحصل عكس كل الأحلام الوردية ما لم يعلموه من نتيجة مخيبة ومؤلمة نتجت وراء مقامرتهم بحياتهم، مخلفين وراء موتهم أوراقا توثق لما يشوب واقع الحياة بوطنهم من خلل ومن فشل للحكومات وللسياسات العامة.

هنا يمكن اعتبار الهجرة السرية وركوب قوارب الموت رهان لانعدام المواطنة وتراجعها، وهذا يما خلق حالة عدم التوازن النفسي عند الشباب، فعجز الدولة أن توفر ما يجعل المواطن يتشبث بالبقاء في وطنه الشيء الذي يدفع الشباب بالمغامرة في شق غباب البحار في زورق صغير ينعدم فيه الأمان، بحثا عن وطن بديل بشكل مؤقت أو بشكل دائم. إن الفرد دائما يبحث عن الإحساس بالانتماء لهوية اجتماعية تمنحه ما يحتاجه من اعتراف واحترام، وهذه الهوية الاجتماعية يصعب تحقيقها ضمن هذه الأزمة الاجتماعية والسياسية التي يمر منها البلد، ولا يمكن تحقيقها في ظل انعدام فرص الشغل وتقليص من نسبة البطالة، ولهذا فإن حالة الإحباط النفسي الناتجة عن مشكل البطالة وانعدام فرص الشغل، والتمثل الاجتماعي المسبق الذي يكون لدى الشباب الكادحين حول البطالة ومشتقاتها يجعلهم يرون أنه لا مفر منها سوى بـ”الحريك”، ليجد لنفسه منفذا للهروب من ذلك التمثل الذي يحتفظ به في داخله، وبطبيعة الحال هذا التمثل لا يأتي عبثا، وإنما هو نتيجة للتجارب المتكررة التي يعيشها الفرد داخل المجتمع وكذلك المعايشة المادية للإنسان في واقعه الاجتماعي، فحالة الواقع الاجتماعي تساهم بشكل مباشر في طغيان هذه الظاهرة.

ففي ظل واقع مرير التف بالبطالة زادت معه أوضاع اقتصادية سيئة وصعوبة الحياة وغلاء المعيشة مما نتج عنه الإحباط الشديد من المستقبل ومن تحقيق أحلام حياة كريمة، يركب العديد من اليائسين من تحقيق أحلام العيش الكريم عنادهم النفسي بركوب قوارب الموت وهم في أتم وعيهم من هذه المغامرة/المقامرة التي في نظرهم هي “حكرة” بحثا عن فرص ضمان لقمة العيش ولو بطريقة غير شرعية للابتعاد من عالم الفقر والتهميش والبطالة متسلحين بالأمل والعثور على الفردوس المفقود بالضفة الأخرى من البلاد، وحاملين في قرارة نفوسهم تحديا لكل المتطبات والعوائق التي يصادفونها في حياتهم المجتمعية داخل بيئتهم سواء الاجتماعية أو الإدارية التي لم تقدر كرامتهم وما يتمتعون به من قدرات كان واجبا الأخذ بعين اعتبارها لإعطائهم شحنة إضافية من التشجيع عل القدرة في استثمار مؤهلاتهم وإمكانياتهم الفكرية والمادية بين أحضان شرائح مجتمعهم الوطني، وبالتالي منحهم الإحساس بالمواطنة والانتماء للوطن وتثبيت الشعور في أنفسهم بالأمان والاستقرار والعيش الكريم.

لن أتناول هنا المعطيات الرقمية والإحصائيات الرسمية التي سبق وأن أعلنت حول عدد الأشخاص الذين سواء منعوا من الإبحار نحو الضفة الأخرى من البلاد أو الذين تقاذفتهم أمواج البحر والمحيط لأنها قد لا تعكس حقيقة حجم الظاهرة، لوجود قوارب أخرى أفلتت من رقابة خفر السواحل أو لربما قد تكون أجسادهم قد التهمتها قروش البحار؟!.

كما أني هنا لست المؤهل لتقديم البدائل لتجاوز هذه الظاهرة والتخفيف منها وليس بالقطع معها مادام أنها ظاهرة متجدرة في تاريخ البشرية خاصة في دول مازالت تعاني من تجاوز أزماتها الاقتصادية وبدرجة أقل السياسية كوطننا العزيز، سأترك لمسؤولينا الكرام الذين لا نتفهم بكاءاتهم من أبراجهم العالية التي لا ترتوي من دموعها الأرض البرية، وبعد أن تكون الفأس قد نزلت على الرأس، المجال لتفعيل البدائل التي كثيرا ما كانوا هم السباقين إلى عرضها الشفوي منذ أمد لم يظهر منها أثر ملموس يعفي الواقع الحزين من مزيد من المعاناة الهشاشة الاجتماعية ككل وسأقفل بالدعوة لقادتنا ولسياسيين الكرام:”أنتم أهل الحكمة والحل لفك جل العقد، إن هذه الظاهرة واتساع دائرتها إعلان صريح عن موت سريري للوطن، فرجاء:ارحموا ظاهرة الحراك يرحمكم من في السماء!؟”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *