الدكتورة رشيدة أحفوض : المحاماة رسالة نبيلة

كاب 24تيفي_ رشيدة أحفوض:

المحاماة رسالة سامية يجول بها صاحبها أينما حل وارتحل، تعريفه بذلةالمحاماة  وهيئته أعرافه وتقاليده، هي المهنة الوحيدة ذات الاختصاص الوطني صفة تلتصق بصاحبها منذ أدائه القسم إلى آخر يوم في حياته.

اشتهرت المحاماة بمهنة النبلاء لسمو أهدافها وقيمها الراسخة، مهنة تفرض على ممتهنيها واجبات أخلاقية قبل القانونية، وهي تعتبر من بين أقدم المهن القانونية على مر العصور. ففي مرحلة ما قبل الإسلام، كانت أبرز صور مهنة المحاماة ما يعرف بالحجاج وهو الرجل الذي يوكله الأشخاص بوكالة شفوية في حالة وجود نزاع بينهم قصد الدفاع عنهم، وعندما جاء الإسلامأجاز فقهاء الشريعة الإسلامية التوكيل في الخصومة؛ وذلك لحاجة الناس الشديدة إلى ذلك؛ كان المحامون يعرفون بوكلاء الحكم أو وكلاء الدعاوى.

ولدت مهنه المحاماة في فرنسا في عهد الملك لويس التاسع وفعليا في سنة 1327 بعد صدور مرسوم من قبل فيليب دي فالوا، وهو ملك فرنسا آنذاكوعرف باسم فيليب السادس، الذي أنشأ جدولا لتسجيل المحامين، وكانت التزامات المحامي محصورة في الدفاع عن الفقراء والمظلومين، وبعد تطور المهنة بشكل ملحوظ وصدور نصوص تشريعية جديدة حددت شروط ومعايير لولوج مهنة المحاماة ومزاولتها، وهي أنه يشترط في المحامي أن يكون حاصلا على شهادة في القانون وملزم بأداء قسم مهني وأن يكون مسجلا في جدول رسمي للمحامين. ويرجع أول جدول المحامين المحتفظ به بباريس إلى سنة 1340 والذي تضمن 51 اسما مسجلا، ولعل من أبرز ما قيل عن المحاماة هو ما جاء في خطاب هنري فرانسوا داكنيسو عند افتتاح السنة القضائية لسنة 1693 وهي فترة ذات إشعاع لمهنة المحاماة، وأصبحت مهنة مستقلة تنظمها قواعد وضوابط خاصة أشاد بها قائلا: ” هيئة قديمة كالقضاء، شريفة كالفضيلة، ضرورية كالقضاء، وتتميز بطابعها الخاص بين جميع الحالات وتستمر دائما وبهدوء في استقلالها المكتسب.“.

ومما لا شك فيه أن المحاماة اسم مؤنث، إذ أنه بتاريخ 24 نوفمبر 1897تقدمت مترشحة اسمها جان شوفين (Jeanne Chauvin) وكانت حاصلة على شهادة الدكتوراه في القانون وشهادتين في الإجازة الأولى تخصص قانون والثانية فلسفة، أمام محكمه الاستئناف بباريس قصد أداء يمين المحامي إلا انه تم رفض طلبها في 30 نوفمبر 1897، على أساس أن القانون لا يسمح للنساء بمزاولة  مهنة المحاماة ضاربا آنذاك مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة، وبعد مرور ثلاث سنوات ونضال نسائي شرس في هذا الموضوع وفي قطيعة أولى مع التقاليد. صدر بفرنسا، قانون نشر بالجريدة الرسمية بتاريخ 01 دجنبر 1900 يخول للمرأة مزاولة مهنة المحاماة بجانب الرجل، لتصبح جان شوفين من النساء الأوائل اللواتي ولجن مهنة المحاماة،وهي تعتبر ثاني امرأة أدت القسم المهني بعد أولغا بيتيت وتعتبر جان شوفين أول اسم نسائي بفرنسا يرافع أمام المحكمة وذلك سنة 1901.

وحيث إن المغرب لم يبق في معزل من أمره في ظل هذه التطورات ومع صدور قانون الالتزامات والعقود سنة 1913لامس الحقوقيون هذه المهنةعن قرب واهتموا بها وسرعان ما طالب المحامون بسن قانون يحمي مهنة المحاماة من تدخل باقي السلطات ومنحها الاستقلال الحقيقي وقرروا وضع مقترح قانون هو الذي أصبح فيما بعد ظهير 10 يناير 1924 المتعلق بتنظيم هيئة المحامين ومزاولة مهنة المحاماة، هذا القانون كان بمثابة انطلاقة جديدة لهذه المهنة وأعطى للمحامين نفسا جديدا  وكذا الحق في تدبير أمورهم و شؤونهم الداخلية  وفق قواعد وضوابط خاصة.بالرغم من أن القانون لم ينص صراحة على استقلال مهنة  المحاماة إلا أن  أبرز تجليات عنصر الاستقلال  هو ما نص عليه الفصلين 11 و 14 من هذا القانون وهو الحق في انتخاب نقيب للهيئة عن طريق الاقتراع ثم مجلس للهيئة  باعتبارها الأجهزة التنظيمية للمهنة .

ولم يبدأ الاستقلال الفعلي لمهنة المحاماة إلا مع ظهير8 نونبر1979 بتنفيذ القانون رقم 19/79 الذي نظمت بموجبه نقابات المحامين ومزاولة مهنة المحاماة، وخرج المشرع عن صمته لينص في فصله الأول على أن المحامون جزء من أسرة القضاء، مهنتهم حرة ومستقلة.

وبالرجوع للقانون الحالي رقم 28.08 المنظم لمهنة المحاماة نرى أن صيغة الفصل 1 تغيرت لتصبح المحاماة مهنة حرة، مستقلة، تساعد القضاء، وتساهم في تحقيق العدالة، والمحامون بهذا الاعتبار جزء من أسرة القضاء. وجاء القسم المهني يلخص أهم الضوابط التي يجب على المحامي أن يتقيد بها إذ جاء كما يلي :

أقسم بالله العظيم أن أمارس مهام الدفاع والاستشارة بشرف وكرامة وضمير ونزاهة واستقلال وإنسانية، وأن لا أحيد عن الاحترام الواجب للمؤسسات القضائية وقواعد المهنة التي أنتمي إليها وأن أحافظ على السر المهني، وأن لا أبوح أو أنشر ما يخالف القوانين والأنظمة والأخلاق العامة، وأمن الدولة، والسلم العمومي”.

وجب علينا أن نقف عند هذا القسم، ونتمعن في مفهومه الدقيق الذي يعبر على أن صفة المحامي تكتسب لذي الشخص منذ نعومة أظافره أي أن مبادئها لا يمكن تصورها في الشهادات الجامعية، أو الأهلية لمزاولة المهنة،فقط بل هي أعمق بكثير من ذلك هي خصائص مرتبطة بسلوكيات الشخص وأخلاقه و أن الأصل في  المحامي أن يكون على خلق حميد ,حكيما, ذو علم و بصيرة، مخلصا لوطنه و مهنته، و هو ملزم أيضا بتقديمالنصيحة والإرشاد لموكليه وتوجيههم، وعليه أن يتقيد في سلوكه المهني بمبادئ الاستقلال والتجرد والنزاهة والكرامة والشرف وما تقتضيه أعراف وتقاليد المهنة كما نصت عليه المادة 3 من القانون المنظم لمهنة المحاماة.

المحاماة مهنة حرة قائمة على تقديم المساعدات القانونية، للأشخاص الطبيعيين والاعتباريين، وهي عمود مهم من أعمدة العدالة، تساهم بشكل فعال على تحقيق العدل، وتطبيق القانون تطبيقا سليما مع الجهات القضائية، لذلك فحياة المحامي دائما مقرونة بالتكوين والاجتهاد والدرايةبمختلف القوانين.

المحاماة مهنة شاقة تحتاج إلى مجهود كبير، المحامي ملزم بالترافع نيابة عن الأطراف ومؤازرتهم والدفاع عنهم وتمثيلهم أمام محاكم المملكة، والمؤسسات القضائية، والتأديبية، لإدارات الدولة والجماعات والمؤسسات العمومية، والهيئات المهنية، وممارسة جميع أنواع الطعون في مواجهة كل ما يصدر عن هذه الجهات في أي دعوى، أو مسطرة، من أوامر أو أحكام أو قرارات، إعداد الدراسات والأبحاث، وتقديم الاستشارات، وإعطاء فتاوى والإرشادات في الميدان القانوني؛ وتحرير العقود … إلخ

المحاماة أسمى بكثير من أن يصفها الناس بوظيفة مقابل أجر أن تكون محاميا هي :

أن تصبح فردا لا يمكن الاستغناء عنه من عائلة موكليك وأنت لم تزرهم أو تدخل بيوتهم من قبل.
أن تكون كاتم أسرارهم وطبيبهم الذي يلجؤون إليه في كل مرة لتخفف عنهم متاعب الحياة وهمومها.
أن تتلقى مشاكلهم بكل أمانة وتسارع لإيجاد حل قانوني تبسطه في مقالاتك ودفوعك إلا أن تكتشف فيما بعد أنها تحولت إلى محور اهتمامك وهمومك أنت.
هي أن تؤمن أنه رغم سواد بدلتها إلا انك تبقى وفيا متشبثابجانبها المشرق وبياضها الخفيف المشع من شريطها و تتمسك به للوصول إلى الحقيقة.

نزولا عند قوله تعالى : ” منَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ، وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا. صدق الله العظيم -سورة الأحزاب

وأخيرا أرفع قبعتي احتراما وتقديرا للسادة النقباء بمختلف هيئات المحامين بالمغرب ولكل محام ومحامية كان لهم شرف الانتماء إلى مهنةالعظماء بالرغم من ظروف الممارسة الصعبة والوسائل المتواضعة للاشتغال إلا أنهم حملوا الرسالة طيلة هذه السنين  وأوفوا الأمانة وحافظوا على قيمها وغرسوا في نفوسهم روح العدالة والتعاون والإخلاص وكل القيم النبيلة.

3

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.