الزمان تغير… والعالم يتأخر… والعقول تتطور نحو الأسوأ؟

0

بقلم: محمد عبيد

في زُحمة الحياة وتـَلاحُقِ مُـتطلـَباتِهـا، الـّتي لا تنتهي، قلـّما تجـُود علينا أيّامُنا، المُهروِلة بلا كثيرِ معنى’ نحو الأمام، بلحظاتِ صفاءٍ نفارق فيها “بـُرودة” الإسمنت..

فقد كثر القتل وازداد، وعظمت الجرائم واشتدت المعاناة، وحالات القتل قد تضاعفت، وانتشر الموت في كل مكان، وعم كل البلاد، وما استثنى الموتُ من حممه الأطفال والنساء ولا الشيوخ، بل دمر المنازل والبيوت، وخرب كل شيء مما كان للإنسان، ومما عمّر به الوطن، وما زالت طاحونة الموت تدور، تحصد أرواح الآمنين، وتقتل المواطنين، ممن يسألون الله في كل الأيام أن يرحمهم، وأن يحفظ بلادهم، ويعيد إليهم حقوقهم.
كما سادت الفوضى أوطاننا، وتآمر على الحق رجالنا، وتحالف مع البعض على البعض من بين أهألينا، وانقلب فريقٌ على الشرعية، وخالف نتائج الديمقراطية، وأعلن الفتنة على فئةٍ من الأمة، بلا ذنبٍ ارتكبته..
فلا رحمة علينا، ولا شفقة على أوضاعنا، بل نهم التجار، وجشع أصحاب رأس المال..

إهانة الآخر في مجتمعنا أصبح فنا نتقنه، ونطوره ونحسنه، نرثه ونورثه، نعلمه لأطفالنا، وينشأ عليه شبابنا، ونحاسب أنفسنا إن قصرنا في رد الإساءة، أو عفونا عن مقدرة، أو سامحنا عن إرادةٍ لا عجز، أو تجاوزنا عن رغبةٍ ومحبة، فلا مكان عندنا للصفح الجميل، ولا للكلمة الرقيقة، ولا للابتسامة الجميلة، ولا للفتة الحلوة، ولا قدرة عندنا على الاستيعاب وكظم الغيظ والعفو عن الناس، غضبنا كالبركان، يحرق ويدمر ويخرب، يثور فجأة، وتتصاعد حممه بسرعة، وتعلو ألسنته كالشياطين، ولساننا كالبندقية الآلية، سريعُ الطلقات لا يتوقف ولا يتعثر، ولا يستريح ولا يستكين، وشياطيننا حاضرة، جاهزة ومستعدة، من الإنس والجن على السواء، كلاهما يتبارى مع الآخر، أيهم يكون أسرع غضباً، وأشد لعناً، وأقسى وجعاً وإيلاماً…

في المغرب أماكنُ كثيرة تستحقّ أن نهـرُبَنهـرُبَ إليها من روتيـنَ أيّامنا نحو أحضانِها السّخيّة لاكتشاف سحر طبيعتها والاستمتاع به والتـّعرّف إلى ناسِها الحقيقيين. لكنـّنا نترك هـذا الامتيـّاز للغـُرباء، لننشغل نحنُ بمُطارَدة مُـتطلـّباتٍ لا تنتهي في زمنٍ مُهرولٍ بلا مَعنى’ -بلا مَعانٍ- لِمَ لا نسأل هؤلاء الذين يهرُبون أزمانـَهُم المُتسارِعة هناك، في بُلدانِهم الباردة، ويتنافسون في الإيغال في جغرافيانـا الخلفيّة الرّائعة!..

كـمْ يكون صعـْباً أن تجد فجوة، ولو ضيّقة، في زمنـِنا اللاهث هذا، للهـُروب من اليوميِّ الجاثم على صدْرك بمسؤولية ثقيلة اسمُها ضرورة توفيرُ مُـتـطلـّـَبات الحياة الصّعْبة، التي فرضها عليك السّعي وراء “طـْرفْ ديالْ الخْـبزْ”!..

لكنْ حين تتأتـّى’ هذه الفجوة، ويتخلـّص الواحدُ منـّا من مشاغله، التي لا تنتهي.. حين تهرُب (أنتَ، أنا ونحنُ) بعيداً عـن ضجيج المدينة وتنسَلّ إلى أماكنَ في العُمقِ المغربي، الجميل، وتـُتيح لنفسـِك فرصة استرجاع الأنفاس من الضغط اليومي الخانق..

حين تصعد نحو لحظاتٍ صادقة مـع النـّفس، بعيداً عن زحمة الشّوارع الضّاجّة والفضاءاتِ المُلوَّثة والعقولِ المجنـُونة..

حين تصيرُ (أصيرُ ونصير) رفقة الطـّبيعة العذراءِ، السّعيدة في صمتها، الذي لا يخدشـُه إلاّ خريرُ ميـّاهٍ منسابةٍ في صفاء لا يُضاهيه غيرُ صفاءِ الأمكنة والنـّاس أو هبـّـةُ ريحٍ لطيفةٌ أو صوتُ طائرٍ، وحيدٍ أو رفقة سربٍ..
حينذاك، تشعـُر كمْ هيّ الحياة قاسيـّة وغيرُ رحيمـة بك (وبكثيرين مثلك ولا شكّ)، وهي تحـْرِمُك (وتحرمهم) متعـة الاختلاء إلى النـّفسِ والتوقـّفِ، ولو ساعاتٍ، عن اللـّهاث خلـْفَ سرابِ اسمُه الآتي، اسمُه المُستقبَل..
حين تحضنـُك الطـّبيعة، بنقائها الأبديّ، وتنتشلـُك من أوهامِك الحمقى’، ومن حساباتِك، الّتي لا تنتهي، في وضعِ الخطط والإستراتيجيّات، القاصرة لو تدري، لمُجابهة حياة جامحة، ضاغطة، مُستفِـزّة، ساخرة من أحلامك التـّافهة.. حينذاك، تشعرُ كم أنت ضئيلٌ، وكم هي بَلهاءُ كلُّ انشغالاتك بتحسين ظروف الحياة وبناء مجدٍ و/أو أمجادٍ شخصيةٍ صغيرة..

حين تـُجالسُ أشخاصاً حقيقيّين، نفوساً خاماً، مُجرَّدة من كلّ الحسابات الفردية الضيّقة، مِن التـّطاحُن اليومّي على دروب الحياةِ مـن أجْلِ غـدٍ قـد يكون أفضلَ وقد لا يكون..

حين تستمع إلى نبض الحياة الجماعيّة وتطلـّـُعاتِ أناسٍ بسطاءَ يُـوزّعـُون، ذاتَ اليمين وذاتَ الشّمال، وبلا حساب أو “تخطيط، ابتساماتٍ خالصةً، غيرَ مدفـُوعة الثـّمن، تشي بنقاء الرّوح وصفاءِ السـّريرة وبغيابٍ تامٍّ، وجماعيٍ، لشيءٍ تافـِهٍ لا يُعششُ في غير دماغك وأدمغة أمثالِك ممّن سلبتـْهـُم روعةَ الحياة ونكهتـَها مَشاغلُ مريضة وهوَسٌ غيرُ مُبرَّرٍ.. حينذاك تشعـُرُ أنّ المدينة قد سلبتـْك الكثيرَ من صدقك، من إنسانيـّتك ومن حقيقتـِك، الـّتي طمرتـْها جدرانُ البناياتِ الشـّاهقـة في مُدنٍ إسمنتيـّـة باردة صرتَ، بين مُنعرجاتِها المُلتويـّة وضغوطِها الخادعة، غيرَ نفسِك.. تشـْعر أنـّك فقـَدْتَ، بشكـْلٍ من الأشكال، غيـْرَ قليلٍ من حقيقتـِك.. الكثيرَ مِـنْ أنتَ!..
وليس ما قد يجعلُ مثلَ هذا السّفــَر يبدو بكلّ هذه القيمة ما ينقـُص.. فحين تكـُون عاطلاً (بـل مُعـطـّــَلاً) تمـَـلّ كـُلّ الأسفارِ وتعتبرُها مُجرّدَ عبثٍ لا يفوقــُه عبث، فكـُلّ أيامِك سـَفـَـرٌ لا مُنتـَهٍ في الفراغِ وبحثٌ عن الذاتِ في عالـَمٍ لا يرحـَمُ، إلى درجـةِ أنـّه يُصَيّـِرُ لحظاتٍ جميلة في نظرِك سوداءَ لن تزيدَ لونَ أيّامِك إلا قتامة وحُلكة..
أما حين يحدُث وتجد عملاً فلـْيَسكـُنـْكَ اليقينُ: لن تجدَ وقتاً “تحُكّ فيه رأسَك”، وفق المأثورةِ الشّعبيّة السّائرة..
تقول إحدى الحكم: “لو اكتفى الإنسان بأن يكون سعيدًا لهان الأمر، ولكنه يريد أن يكون أسعد من سواه وهذا شعور مستحيل”.

الزمان تغير وتأتي سنة، وتذهب سنة، ويموت أشخاص ويولد أشخاص، والعالم يتأخر… والعقول تتطور نحو الأسوأ؟… لكن تذكر أن كل يوم في حياتك نعمة من الخالق ولا تهتم بكلام المخلوق، فيوم واحد يمكن أن يغير حياتك ويوم يمكن أن يهدمها فتأمل وراجع نفسك.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.