الشرف ومعادن الناس

بقلم: محمد عبيد

الشرف يكتسب من الواقع، بحكم التفاعل مع مختلف المكونات الثقافية، التي تزود المجتمع بنبل القيم، التي ترفع مستوى الأفراد إلى درجة الشرفاء، الذين يعتز بهم الشعب، ويعتز بهم الوطن…

أليست الشروط الموضوعية، والذاتية، التي يعيشها الإنسان، أي إنسان، ومهما كان هذا الإنسان، هي التي تتحكم في تحديد ما يكونه الإنسان: شريفا، أو غير شريف، حريصا على إشاعة الشرف في المجتمع، أو غير حريص عليه؟

ولماذا نجد أن الشرفاء منعدمون بين العاملين في الإدارات العمومية، ولايتواجدون فيها إلا نادرا؟

أعتقد أن الشرف يولد مع الإنسان…

فلا يمكن أن لا تعتبر الرضيع شريفا… لكن سيتنازل عن هذه القيمة الاجتماعية أو يتشبت بها حسب مختلف الشروط التي ذكرت!…

إن الإنسان الذي لا يقاوم أو لا يرفض أو لاينقد أو لايحتج أو لايطمح… إن هذا الإنسان فاقد المستويات… إنه إنسان بلا تفاسير الإنسان.

فالناس معادن، فكما أن المعادن لاتخرج إلا بالتنقيب عنها من داخل الأرض… فكذلك البشر لايعرفون إلا بالتنقيب عن طرق التجريب.

صحيح قد يكون مظهر بعضهم غيرَ مرغوبٍ فيه، ولامرضي، وإن كان الجمال مطلب لكل إنسان، والله جميل يحب الجمال، إلا أنه قد تتغلب بعض الظروف على بعضهم فيكون هذا حاله، وهذه طبيعته… ولكنَّه يحمل في جوفه قلباً أبيضَ، ونية صافية أصفى من الماء، وسريرة بينه وبين الله، تستجاب بها دعوته…

وكما قال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم:”ربَّ أشعثَ أغبر ذي طمرينِ مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبرَّه”…(أو كما في الحديث).

والقلوب التي في الصدور كالجواهر المكنونة، التي لاتعرف قيمتها إلا إذا أخرجت من مكنونها، فالمظهر ليس بدليلٍ قطعي على المخبر… وقيمة الناس عند الله بالقلوب لا بالمظاهر والأجسام… وكما في الحديث:”إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم”.

والعجيب أن القلوب هي الميزان عند الله في الدنيا… ويوم القيامة لايدخل الجنة إلا صاحب القلب السليم، كما قال عز وجل:”يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلآ من أتى الله بقلب سليم.”(سورة الشعراء: 88، 89).

فالناس لاتعرف إلا عند الضيق، والحاجة، والمحن، والشدائد، وعند الكروب والحروب!… فلا يغرنك لمعان البرق حتى يمطر… ولا هتان المطر حتى يسيل… فكم من مليح فصيح كاذب؟!… ومن كسير الثنيتينِ دليع اللسان صادق؟!… والمخادعون بمظاهرهم كثير… لايعرفون إلا وقت الخذلان على نهج ابن أبيّ… عندها تنكشف الحقيقة ويعرف الصادق من الكاذب.

وصدق الشاعر:

“إن الأفاعي وإن لانت ملامسُها… عند التقلب في أنيابها العطبُ”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.