الدكتور خالد الشرقاوي السموني يكتب: إلى أين تسير العلاقات المغربية القطرية ؟

0

بقلم: الدكتور  خالد الشرقاوي السموني* 

يصعب على أي محلل سياسي أو باحث في العلاقات الدولية التشكيك في العلاقات التاريخية والإستراتيجية المتميزة التي تربط المملكة المغربية ودولة قطر ، خاصة أن هناك أواصر قوية تجمع جلالة الملك محمد السادس، بأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني.

فالعلاقات القطرية المغربية تاريخية ومتينة ومتجذرة ، ثم أن جلالة الملك يحرص دائما على تعزيز وتطوير العلاقات بين البلدين ، علما أن المغرب كان دائما داعما لدولة قطر ، نذكر في هذا الخصوص البلاغ الشهير الذي أعلنت المملكة من خلاله عن التزامها “الحياد البناء” لما تم محاصرتها و مقاطعتها في يونيو من سنة 2017 من جيرانها الخليجيين السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين بالإضافة إلى دولة مصر.

أكثر من ذلك ، أن المغرب قام بإرسال طائرة محملة بالمواد الغذائية إلى دولة قطر تضامنا معها في مواجهة الحصار ،كما أعلن المغرب أيضا دعمه لدولة قطر واستعداده لتقديم كافة الإمكانات والوسائل البشرية و اللوجستيكية من أجل إنجاح تنظيم الحدث كأس العالم لكرة القدم سنة 2022، مما تسببت للمغرب في أزمة دبلوماسية مع بعض دول الخليج ،و في حملة معادية قادها تركي آل الشيخ، الذي صرف الأموال وعقد الاجتماعات وحرض ضد الملف المغربي الذي كان مرشحا لاستضافة مونديال 2026، من أجل ترجيح الملف الأمريكي.

 لكن السياسة الخارجية قد تكون أحيانا متقلبة و غير مستقرة على نهج واحد، عندما تتحكم فيها المصالح السياسية والاقتصادية و الجيوستراتيجية و التي قد تتجاوز أحيانا مفهوم “الاخلاق”، لأن  لا أخلاق في السياسية ، و لا أخلاق  في العلاقات الدولية حسب “المدرسة الواقعية ” ، حيث إن “المصلحة” كما  اعتبرها المفكر الفرنسي وأستاذ العلاقات الدولية ،رايمن أرون ، هي المحدد الأساسي للعلاقات بين الدول .

فقد لا حظنا في الشهور الأخيرة أن الإعلام القطري ، من خلال قناة “الجزيرة” ، يمارس نوعا من “التنمر” ضد المغرب، فمثلا سبق لهذه القناة نشر خريطة للمغرب دون الصحراء، عندما نشرت إحصائية عن احتياطات الفوسفات بعبارة “الصحراء الغربية ”، مما شكل استفزازا للمغاربة في وحدتهم الترابية، حيث تم إظهار المغرب كدولة مستغلة لخيرات الصحراء “الغربية” و كأنها لا تدخل في المناطق الخاضعة لسيادته .

تلى ذلك مجموعة من البرامج الاعلامية المسيئة للمغرب ، حيث لجأت قناة “الجزيرة”، وإعلامييها خصوصا ذوي الأصول الجزائرية ، إلى إعطاء انطباع سيء عن المملكة المغربية ، وشن حملة إعلامية ضد المكتسبات الكبيرة التي يحققها المغرب في قضية الصحراء المغربية. ومما يثير الحيرة أن دولة قطر أكدت في أكثر من مناسبة مساندة المغرب في قضية وحدته الترابية .
هذا التنمر القطري نشأ مباشرة بعد قرار المغرب إعادة استئناف علاقاته الدبلوماسية مع إسرائيل، واعتراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمغربية الصحراء و بسيادة المغرب على كافة أقاليمه الجنوبية. بالإضافة، كذلك، إلى إضفاء زخم جديد للعلاقات المغربية الخليجية مؤخرا التي طبعها نوع من الفتور خلال السنوات الأربعة الأخيرة  ، خاصة مع المملكة السعودية و الإمارات العربية المتحدة ، توج ذلك بفتح قنصليتين عامتين لدولتي الإمارات و البحرين بمدينة العيون.
في هذ الصدد ، نطرح مجموعة من الأسئلة التي قد تساعدنا على تحليل التغيرات التي حصلت في العلاقات المغربية القطرية في الفترات الأخيرة . هل هذه التغيرات ناتجة عن تحالف قطر مع تركيا وإيران ؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأزمة الخليجية التي جعلت قطر ترتمي في الحضن الإيراني التركي . هل بسبب التقارب الحاصل في الآونة الأخيرة بين قطر والجزائر ؟ علما بأن الجزائر دولة مناوئة للوحدة الترابية للمغرب و تعمل جاهدة لتحريض الدول ضد صحرائه . هل بسبب تطبيع العلاقات المغربية الإسرائيلية والتقارب المغربي الخليجي ؟ ، حيث أعلنت بعض دول الخليج مثل الامارات و السعودية و البحرين إنجاز مشاريع اقتصادية واستثمارية بالأقاليم الجنوبية . فلربما قد يزعج قطر التي كانت لها نفس الأهداف في مدن أخرى مغربية  ، خاصة وأنها حاولت التشويش على قرار الإمارات العربية المتحدة بفتح قنصليتها العامة في مدينة العيون بالصحراء المغربية .

هل تسعى قطر إلى الانضمام إلى الحلف الرباعي  “الصين -روسيا -إيران –تركيا” ضد الولايات المتحدة وإسرائيل” ، لكن لا ننسى بأن  قطر تملك علاقات مع الولايات المتحدة التي تستضيف الدوحة أكبر قواعدها العسكرية في المنطقة.  هل تسعى قطر إلى تغيير موقفها بخصوص قضية الصحراء تحت ضغط الحلف الرباعي ؟.
 
لنستعرض مجموعة من الأحداث و الوقائع ، قد تقربنا من فهم الاشكاليات المتعلقة بتساؤلاتنا:  
–         عكس البلدان العربية الشقيقة التي سارعت إلى الإعلان عن إشادتها، وترحيبها بقرار إدارة ترامب، وإعادة استئناف المغرب لعلاقاته مع إسرائيل دون التخلي عن القضية الفلسطينية، التزمت الدوحة الصمت ولم تخرج بأي بيان رسمي في الموضوع .
–         قام الرئيس الفلسطيني أبو مازن  بزيارة لدولة قطر ، حيث التقى بالشيخ تميم بن حمد آل ثاني لبحث التطورات حول القضية الفلسطينية ، مباشرة بعد 4 أيام على إعلان إسرائيل تطبيع علاقاتها مع المغرب العام الماضي .
–         تحاول قطر بعد قرار المغرب بإعادة استئناف علاقاته الدبلوماسية مع إسرائيل، تقديم نفسها بمثابة طرف لا يتعامل مع إسرائيل.
–         توظيف “الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين” ، ومقره قطر، لمعاداة المغرب من خلال تصريف مجموعة من المواقف، كإطلاق عريضة تنتقد إعادة استئناف المملكة المغربية لعلاقاتها مع إسرائيل.
–         شبه الشيخ الموريتاني محمد الحسن الددو، المقيم في قطر، في مقابلة له مع قناة “درر” الفضائية ، اعتراف الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته دونالد ترامب “بسيادة” المغرب على “الصحراء الغربية”، بأنه مثل منح وثيقة إثبات حيازة قطعة أرض على القمر. كما أضاف أن ” اعتراف أمريكا للمغرب بالصحراء الغربية مثل اعترافهم بإسرائيلية القدس والجولان، هو اعتراف بلا أثر قانوني”.
 وبناء على ذلك ، يتبن لنا جليا أن إعادة العلاقات بين المغرب و إسرائيل و التقارب المغربي الخليجي ( مع السعودية و الإمارات و البحرين ) قد أزعج قطر ، لأن هذا القرار المفاجئ لا يتماشى مع التوجهات الجيوستراتيجية للحلف الرباعي الذي انضمت له قطر وتحاول داخله أن تكون لها الريادة في القضايا العربية و من بينها القضية الفلسطينية وفق تصوراتها و تصورات تركيا و إيران . هذا مع العلم أن قطر تلعب على الحبلين . لديها علاقات مع إسرائيل، وفي الوقت ذاته تدعم حركة حماس في قطاع غزة.
إن قطر ، مدعوة اليوم للتخلي عن كل الأساليب التي قد تسيء للمغرب عبر إعلامها، وعدم التدخل في شأن قراراته السيادية، والإعراب بكل صراحة ووضوح عن موقفها من قضية الصحراء، لأن  المغرب من خلال سياسته الخارجية الحكيمة ، في ظل توجيهات جلالة الملك محمد السادس ، يحرص دائما على الحفاظ على علاقات متوازنة مع كل الدول العربية الشقيقة، وينأى بنفسه عن الصراعات والخلافات الثنائية والإقليمية، لكن في نفس الوقت لن يتسامح و لن يقبل لكل ما من شأنه المساس بوحدته الترابية.
و لا أعتقد في الأخير أن دولة مثل قطر يمكن لها أن تنسى المواقف الشجاعة و التاريخية للمملكة المغربية من أجل مناصرتها والوقوف في صفها في أوقات الشدة .

*أستاذ بكلية الحقوق بالرباط و بالمعهد العالي للإعلام و الاتصال

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.