المغرب.. وحبّكَ مقرونٌ بأنفاسي

قدس العلم ومكّة الأدباء والمفكرين

د. محمد بدوي مصطفى*

أندلس الأطلس ورياض ابن الخطيب:

يبدأ الأستاذ الدكتور عبد الإله بن عرفه كتابه “اِبن الخطيب في روضه طه” بقصيدة شعريّة رائعة، حينما أقرأها أقول في نفسي مجازا: ابن الخطيب هو أنا … روضة طه هي المغرب. أصبو جادًّا أن أدرس أعماله وفكره وتفحصه كما ينبغي وكما تحتّمه عليّ سيرته النيّرة، هذا الرجل العالم يبدأ روايته بالآتي:

ولقد أنخت ركائبي برياضِهِ

وسرحتُ بين جداولٍ وغدائرِ

وقرعتُ بابَ رضاه في سِنةِ الكرى

فأجابني متناديًا ببشائرِ

يا كوكب الإسعاد جُد بزيارةٍ

تُجلى على فلكٍ رفيعٍ دائرِ

زيارتي إلى بلاد تسجد لها الملائكة قد يجود بها طيف ابن الخطيب، وستُلقِي في سياق هذا المقال وفي مجملها، بادئ ذي بدء، نظرة ذاتية على هذا البلد ومن ثمّة ستسلط الضوء على بعض التداعيات والتطورات التي صاحبت أحداثا شغلت أدباءه في الآونة الأخيرة فنجد بعضهم – أغلب الظن قلّة قليلة – قد تنزّل بعلمه وأدبه إلى درجات الإسفاف التي لا تليق بسيرة هذا البلد ولا بالعيار الثقيل الذي بجعبة علمائه وفكرهم الذي سطرته صحائف التاريخ بمداد من نور. هل يحتاج هذا الصرح العلميّ الجبّار أن يذود عنه أبناءُه بألقاب تتأفف لها القلوب؟ هل يعقل أن يُجارى الجهل بالجهل؟ وهل من الذوق السليم والعفّة المغربية في شيء أن نرمي الكلم خبط عشواء؟ أنني أعتقد اعتقادا راسخا أن الحروب بين الأمم، إعلاميّة أو أيّا كانت، لا تحلّ إلا بالسلم وبالسلام، وأن الجهل لا بد أن يقارع بالحجة وإبراز محاسن المعرفة الحقّة، وإن الحكمة هي السبيل الوحيد إلى الرشد وحسن الخلق. فلنهتم أوله وآخره لقضايا أهلنا المنكوبين الآنية مع الكورونا ومع ما يشغل المواطن من احتياجات ومعاناة تستحق حقًّا أن نخوض من أجلها الوغى، وأن نجتهد في شهر أراده الله أن يكون كريما ونتحلّى بمكارم الخلق ونستوثق بعروة وثقى وألا يكون الدين عندنا شعارات وحركات ميكانيكية فحسب، تقتصر على الشعائر الزائفة والمظاهر الخادعة. كلنا يغضب لمن ينهش في أمر من أمورنا، ولسنا رسلا أو أنبياء، لكن عندما ينزلق الأمر إلى آفاق الدول والشعوب فها هنا ينتهي الكلام، فعلينا بالحلم والعلم والتريّث ولو كانت تلك قضايا خاصة أو شخصية لما اجتهدنا في الرّد عليها، لكن الأمر خطير ويتعلق ببلاد لها تاريخ شامخ يشار إليه بالبنان فلنكن كلنا رقيب على قامة هذا الإرث فهو أكبر من التنزّل به إلى درجات الهوج والإسفاف بل إنه في غني عن أن يذود عنه محامو الدنيا بأكملها ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا.    

بلاد المغرب لا تحتاج إلى محامٍ!

فإذا وددنا أن نستوحي من أدباء ومفكريّ المغرب أمثلة لاحتجنا لموسوعات بحق وحقيقة. فالمذكور أعلاه (بن عرفة)، قمر وشمس من العلم وغيره الآلاف المؤلفة وذلك منذ آلاف السنين ومن لا يدرك عمق المعرفة بالمغرب وموسوعيّة العلماء بهذا البلد فليس عليه إلا أن يذهب، مثلا، إلى فاس، كما تقول جدتي، “الما وراها ناس”، فمنارات العلم تقف شاهدا على تاريخ تليد وشموخ لا يشق له غبار. فليس المغرب بحاجة أن يُدافَعَ عن  أي كان – فهو غنيّ عن التعريف والوصف والتمثيل. لقد شغلتني حقيقة في غضون الفترة الماضية بعض القضايا وأقلقتني مداخلات بعض الأساتيذ من الزملاء بالصحف بسبب سوء تفاهم حدث بين الإخوة العرب. أعتقد أن المعرفة هي أم الحكمة وأنّ من عَرفَ عزّةَ نفسه فقد استراح – كما يقول المثل عندنا. لذلك أجد في إنفاق الطاقات الإيجابيّة الجبّارة عند الهجوم والهجوم المعاكس إلا ضرب من الهوج والتهوّر، ولماذا بربكم نفقد في لحظة غضب وحنق ماء الوجه وهل يشفي ذلكم عليل؟

المغرب أكبر من يتنزّل مفكروه إلى درجة الإسفاف:

المغرب أكبر من يتنزل أدباءه من مقام العلماء إلى درجات الإسفاف والقشور لخوض ساحات وغى واهيّة، غاشية أو قل حتى “رقميّة” قد تنتهي بانتهاء سوء التفاهم بين الأشقاء وترجع المياه إلى مجاريها وكأن لم يحدث شيء. فشعوبنا يا سادتي – دون أدنى شك – في قرارة نفسها طيبة ودودة وكريمة وتحب بعضها البعض وأهلنا يحملون هذه المكارم الطيبة في ثنايا قلوبهم وثمار المغفرة على جنباتهم وأعتقد اعتقادا راسخا أن شهر رمضان وجائحة كورونا قادران على أن يكبحا الجماح وأن يزودا البعض المتعصب منَّا بالحلم والصبر والغفران، فديننا لا بد أن يتبدّى في المعاملة، أقصد في التطبيق، وليس فقط في النظريات التي تتضمنها الكتب: وخيرنا الذي يبدأ بالسلم والسلام!  وفي هذا السياق لابد لنا أن نسترجع تاريخ أوروبا المرير والحروب الطاحنة التي مات ضحيتها مئات الملايين. لم تبطرهم كل هذه التجاوزات اللاإنسانيّة من أن يحكّموا العقل ويروّضوا المنطق وأن يؤمنوا بأن السلام هو الحلّ الوحيد ليؤمنوا مستقبلهم ومستقبل أحفادهم لغدٍ مزهر. فأين هم وأين نحن العرب؟ فالعبرة لمن اعتبر!

أدباء المغرب نبراس في بلاد الجن والملائكة:

أذكر أنه أوكل إليّ في بداياتي بجامعة كونستانس أن أدّرس الأدب العربي والأفريقيّ الناطق بالفرنسية فبدأت رحلتي مع التنقيب عمن يكون هؤلاء؟ وهل لهم بالأساس أيّ وجود؟ فتفجرت وقتئذ أمام ناظريّ مكتبات لكتّاب مغاربة من أولئك الذين يخلقون الأدب الفرنسي ويطوعون مهره الجموع إلى آيات من الجمال في النص والسرد والفِكَر، مثال ادريس الشرايبي والطاهر بن جلون وغيرهم فصاروا منذ عقود طويلة من الكلاسيكيين على شاكلة بوريس فيان، ألبرت كامو وأندريه جيد، وغيرهم. صارت كتبهم تُدرّس كما تدرس روايات الكلاسيكيين في مادة الأدب بالمدارس الثانويّة وبالجامعات. ومن جهة أخرى نجد أدباء المغرب الحائزين على الجوائز بالوطن العربي لا يعدُّون، على سبيل المثال: جائزة الطيب صالح العالمية، وهم يتجددون كل سنة بتردد مضطرد، فيا لهم من أدباء ويا له من علم بهذا البلد الكريم.

“وحبك مقرونٌ بأنفاسي”:

أتعجب من نفسي يا سادتي لمحبتي تجاه بلد ما أحسست فيه أبدا أنِّي غريب وكأنه موطني، بلدي ومسقط رأسي! هذا “الغُزال” قد طبع بعنبرهِ بصمة جليّة في جنبات فؤادي فخلّف عبقها سحرا أخّاذ لا يفتأ يغمرني ويزمّلني بحلاوته النديّة كلما هاجت بيّ الذِّكَر وحملت أطيافها الفِكَر وأنا في غربتي ووحشتي إلا من كتاب. تحمل نسائم البحر المتوسط إليّ قسمات وطيبة أصدقائي بالصويرة، سي عبد الحق وللا حفيظة وسي ميلود وغيرهم. أبتهل حينئذ متضرعا وأقول: يا مولاي، خذني إلى طيف الصويرة والعب بي على صفحات موج تغازوت لأركب الموج حتى امسوان، ثمّ اسبح وحلّق بي في سماء تارودانت وتمازيغ “أغروم” (الخبز بالأمازيغيّة) لأرشف من معين “أملو” الخلود (نوتيلا الأطلس) شيئا يسد الرمق. نعم، عُد بي إلى أعتاب الأطلس حيث تنتظرنا أنواء ساحات الفناء الممزوجة بأريجٍ قناويّ دافئ، كدفيء طبول تقرع في باحات الطرق المعطرة برائحة أزهار الليمون القدسيّ وبرتقال الحب، حيث يندلف إلى أعماقي هذا الإلهام الإلاهي ويحملني على بُراقِهِ ويدور بيّ، كما يُحكى في الأغنية الشعبيّة “الجلالي”، رويدا رويدا أو كدوران درويش صوفيّ يمور بروحي ويلتفُّ حلولها كلفَّات ترددها دائريّة الطواقي والبرانس القناويّة في حلقات الحبّ والنغم “الروميّ”.

سحر المدينة الحمراء على أعتاب فناءات الكتبيّة:

في فصل الربيع أرفل بفرح وحب وأختال على “بلغتي” كالأمير ، وأمشى الهوينا كما يمشي الوحي الوجل، ذلك تحت ألطاف المدينة الحمراء،  “مراكش” الفنّ والحضارة، بين حواريها وعلى هامش زنقاتها الملتويّة، أحثّ حينئذ خطاي حثًّا، فرحا جزلا بوجودي، لكني أخطو تارة أخرى حسب وقع المدينة وايقاعها الدفين في تؤدة وسكينة فيتهادى إليّ وأنا في طريقي من مسكني برياض العصافير مارًّا بالكتبيّة صوب جامع الفناء صوت الأذان العالق في الأفق ومن ثمّة يهجع صداه ويضجع ويسجع في الدواخل، فتتعالى حينئذ أصوات الطبول وتزغرد الأبواق ويغرّد الناي المقدس وينتشي رويدا رويدا أهل المغنى والطرب وحتى القرود كما الثعابين يسحرها نداء المنشد: “الصلاة والسلام عليك يا رسول الله”؛ تنساب في الأعماق من بعد أغنيات أخرى بلون الرُّمّان الأطلسيّ وسحنة التمازج بين جليد الأطلس الناصع البياض وحمرة صخوره الشامخة، فينزلق الطرب كما اللون في النفس كما ينزلق في الحلقوم ويتدلى مذاق فطائر “المسمن” بالسمن والعسل البلْدِي. عالم “الحرشة” عالم آخر، تماما كبرزخ الطنجيّة المراكشية، حتى وإن تباعدت مدينة طنجة عن مراكش، وحتى إذا اختلفتا في المكان والزمان، بيد أن اختلاج الأرواح يظل باقيا كما في شهيّة الطنجيّة، كوحدّة لا يُعلى عليها – إلا عندما يختلج المشهد بطاجن اللحم بالبرقوق، هذا الأمير! هذا هو مذاق المغرب بطعم أطلسيّ، لم يعرف قدره الشرق والشرقيّون إلى الآن، إلا من رحم ربّي.  مدهشة تلك اللوحة، حيث تطل قمم الأطلس ناصعة البياض ببرودتها العاليّة على حَميَّة المدينة الحمراء من علٍ. يا لها من مفارقات مدهشة، تناغم الفصول بين رطوبة الشتاء في الأفق ونيران الصيف المتقدة على البيداء: مشهد استثنائيّ في لحظة متفرّدة، وهي حقيقة حصريّة فقط على مدينة واحدة بالدينا: المدينة الحمراء: مراكش الجن والملائكة!

قناوة: سوداني سوداني … مولانا يا مولانا:

أذكر أنني أوّل مرّة زرت فيها المغرب كانت مأمورية جامعية وكنت بصحبة صديقي الأستاذ يوسف زرّاد، شقيق إسماعيل زرّاد زميلي بالجامعة، وكنّا ذات يوم نتجوّل في إحدى أسواق الرباط، فحدث شيء عجيب شحذ فضولي، إذ مررنا بشيخ يحمل قيثارة الهجهوج القناوي مقتعد زربيّة مبثوثة على قارعة الطريق وكان يغني: سوداني سوداني، مولانا يا مولانا. “عيطت” أي ندهت على سي يوسف قائلا أخاطبه بالمغربيّة: “حبس يا مولاي، جوج دقايق الله يرحم الوالدين، تنسمع هاد السيّد!”. حقيقة في تلك اللحظة العجيبة ولا زلت أذكر قعدة الشّيخ، عصفت بيّ الأشواق وهنًا فوهنًا وحلّق حينها بي الطرب وامتلكت لبّي آلهة الأغنيات ومن ثمّة حملتني التراتيل الخالدة إلى بلاد النيلين، أعود لأترجّل وأقف سائلا ذاتي: كيف عرف؟! وتمر الأيام وهي دولٌ فطلبتُ من صديقة عزيزة لي، للا ليلى، لنفسي هجهوج لدى صانع ودود بالصويرة بحي الملَّاح وبدأت بعدئذ أنا “ذادا” أردد وأغني: “مغربي مغربي … سوداني سوداني … يا مولانا يا مولانا”.

انطلقتُ حينئذ على متن رحلة شيقة، مذهلة، مثيرة، مدهشة وعجيبة في استكشاف هذا التراث العظيم وأخذت العهد مع وعلى نفسي أن أدرس اللهجة المغربية ومن بعد الأمازيغية وأن أنساب في التعمق في معرفة هذا البلد (فإذا كنت في المغرب فتلا تستغرب) بيد أن الطريق لا يزال “واعر”، كما يقول الشاعر والملحن الرائع مصطفى الإدريسي في أغنية المطرب الجميل عبد الله الداودي: (“واعر واعر حبّك واعر، منو راه نخاف، خفت معاك نزيد نغامر، وطبعي ولّاف”)!

أدباء المغرب يكتسحون سماء الأدب العربيّ:

هذا البلد – ولا أعرف لماذا أحبّه وكيف ومتى – هل هي الأصول الفاسيّة القديمة لأُسر سودانيّة من صوفية التجانية أم أنها محبّة تلقائية ربانيّة أُنزلت بوحي من يعلم “صادقة الأعين وما تُملِي الصدور”. على كل لازلت أحمل لبلاد الأطلس الشامخة ولأهله كل المودة والحب. هذا البلد أعطى وما فتئ، جاد بالعلماء والفنانين والأدباء والصناع المهرة في كل المجالات وعلى مرّ العصور. يجد الفرد منّا في كل ركن بالمغرب آي الفنّ والجمال وكأنك بالأندلس المفقود، ولولا المغرب لما عشنا أجواء الأندلس البتّة، فهم الذين فتحوه وهم الذين رجعوا منه وكانوا في تردد دائم بين البقعتين.

يحزنني أن أجد في بعض التصريحات حكم مسبق غاشم على أهله وتراثه. فأقول لهؤلاء حينئذ: فإن كنت في المغرب فلا تستغرب من الكم الهائل للثقافات والأعراق والموروث للمعارف، فتعلم من أهل الدار وصلي على النبي المختار!

المغاربة وجائزة الطيب صالح العالميّة للأبداع الأدبي:

أن يفوز ثلاثة من أبنائه بجائزة الطيب صالح للإبداع الأدبي فليس ذلك بمحض الصُّدَف. سوف تقوم صحيفتنا المدائن بوست في الأعداد القادمة من خلال نافذة حوار بالتعريف بهم وبأدبهم. من عجيب الصدف أن ابن حارتي الأستاذ أحمد فاروق التقى بهم ثلاثتهم بالخرطوم وعرفهم عن كثب وأجزل الشكر على أدبهم الجمّ، وحبهم لوطنهم وتقديرهم الفائق لأهل السودان، الذي يرتبط بالمغرب ارتباطا وثيقا منذ آلاف السنين. كما حدثني عن براعتهم في تطويع اليراع ولوحاتهم التشكيليّة البديعة في نظم الكلم وكانت سعادتي لا توصف بأن حظيت على أرقام هواتفهم الجوالة وشرعت لا ألوي على شيء إلا والتواصل معهم. منذ أول وهلة لم يقف البعد في حيز المكان والزمان حاجزا بيننا فانطلقت القلوب والأقلام والرسائل الصوتية تسطر وتتحدث في أجواء تزملها المودة والمحبة. لا سيما أنني بادرتهم محدثا إياهم بلسانهم المغربيّ المبين فكانت دهشتم بيّنة وسعدوا بي وسعدت بهم وتجابدنا أطراف الحديث “نداكرو” عن حيواتهم في ديارهم و”سالينا الحوائج”.

اللهم احفظ المغرب وأهله من البلاء والغل والحسد ووطد أواصر صداقتنا معه ومع أهله، فأهل بلاد النيلين يُكنُّونَ لبلاد الأطلس من المحبة أوفرها ومن المودة أصدقها. والله على ما أقول شهيد.

*رئيس تحرير الجريدة العربية الدولية المدائن بوست

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.