جدليةُ الجريمة والعقاب.. هل حققَ حكمُ “الإعدام” العدالة للطفلِ عدنان؟

0

كاب24 تيفي-فاطمة بتغراصا:

“العقابُ لا يُوقفُ الجريمة ولا يَحدُّ منها”، جملةٌ تُرَدَدُ كثيراً في الأوساطِ الحقوقيةِ ولدى خبراءِ القانون. ولعلََّ مُستجداتِ قضية الطفل المغتَصب والمَقتول “عدنان ب.” فتحت من جديد جدلية “الجريمة والعقاب” بعدَ أن صدر الحكمٌ بتنفيذ عقوبةِ الإعدام في حق قاتلهِ ومغتصبهِ في الساعاتِ الأولى من صباحِ اليوم، بغرفةِ الجناياتِ الابتدائية بمحكمةِ الاستئناف بطنجة.  

تسعُ ساعاتٍ ويزيد، استمرت خلالها مُرافعات ومُناقشة الملف، لينتهي الأمرُ في آخرِ المطافِ، باقتناع هيئة المحكمة بتورطِ المتهمِ الرئيسي المتابعِ بجنايةِ القتلِ العمد مع سبقِ الإصرار والترصد، المقرونِ بجنايةِ الاختطاف والحجز، والتغريرِ بقاصر.

بعدَ صدورِ هذا الحكم، أثيرت من جديد تساؤلات كثيرة، هي في الواقعِ تساؤلات “قديمةٌ جديدة” من قبيل:

 هل أنصفَ القضاءُ المغربي أخيراً الطفل المغتَصب والمَقتول عدنان؟ وهل تُحقِقُ عقوبة “الإعدام” العدالة المنشودة في حقِ مقترفي جريمة اغتصاب الأطفال؟

“الجريمة والعقاب”

تفاعلاً مع هذا الحُكم الذي لم يُكن مُفاجئاً، يرى الأستاذ محمد الطيب بوشيبة، منسقُ جمعية “ما تقيش ولدي” بجهةِ الشمال في تصريحٍ لموقع “قناة كاب24تيفي” بأنهُ لا توجدُ إدانة على وجهِ البسيطة – لحد الساعة-، تساوي الجُرم الذي اقتُرف في حقِ الطفل عدنان.. “لأنهُ ماتَ الآن وانتهى الأمر وقد اعتدي عليه”.

واعتبرَ منسقُ جمعية “ما تقيش ولدي” بجهةِ الشمال، أنَّ النطقَ بحكمِ الإعدام في حقِ المُتهم كان أرحم. وأضاف: “نحنُ نطالبُ بإعدامِ “جريمة الاغتصاب” كاملة وهو المبتغى الذي لا يمكنُ أن يتحقق إلاّ عن طريقِ وجودِ ترسانة قانونية تتضمنُ إجراءاتٍ حمائية لصالحِ الطفولة”.

واسترسلَ بوشيبة في تصريحهِ لموقعنا: “مشكلتُنا أننا نتعاطى مع هذهِ القضايا ‘موسمياً’. لقد تعاطينا معها حينَ اغتُصب عدنان وحين تمت محاكمة مغتصبِه وقاتله.  لكن هل قمنا بحمايةِ الطفولة؟ هل نزعنا الخوف من قلوبِ الآباء والأمهات الذي وصل في بعضِ الحالات إلى درجةِ الخوف المَرضي؟”.

من وجهة نظرِ بوشيبة إذن، يجبُ أن نتجاوزَ حُكم الإعدام، لأنهُ كما يقول:” آليةٌ من أجلِ القصاصِ المجتمعي فقط”. في المقابل يجبُ النظر إلى ما هو أبعد من ذلك.. أيْ إلى ضرورةِ إيجاد قوانين تحمي الطفولة من الأساس”.   

الإعدام.. انتصارٌ للحقيقةِ والعدالة

من جانبه، ثمّن عبد الحكيم الشباني محامي بهيئة طنجة، في تصريحٍ لموقع “قناة كاب24تيفي” ثمّن الدورَ الذي قامَ به المحامونَ الذين ترافعوا في هذا الملف جميعاً،  والذين -حسبَ الشباني- أدوا واجبهم المهني بكفاءةٍ وموضوعيةٍ لما تستوجبه ضمانات المحاكمةِ العادلة والمُنصفة.

وأكدَّ المحامي على أنَّ هذا الحُكم هو: “انتصارٌ للحقيقةِ والعدالةِ أولاً وآخراً، وجبرٌ للضررِ المعنوي الذي تعرضت لهُ أسرة “عدنان ب.”، علماً أنَّ عقوبةَ الإعدام رغمَ النطقِ بها فهي لم تُطبق في المغرب منذُ تاريخ 1993”.

وأشارَ الشباني في حديثهِ لموقعنا إلى أنَّ هذهِ القضية، نالت حظاً وافراً من الزخمِ الإعلامي وتتبعِ الجمهور والرأي العام؛ في حين تبقى الكثير من القضايا والملفات التي لا تَقل بشاعةً وخطورةً عن هذهِ القضية، حبيسة جدران الصمتِ ويكونُ مآلها النسيان.

العدالة للضحيةِ والمتهم معاً

أما الأستاذ أحمد كنون، محامي بهيئة طنجة، فاعتبرَ أنَّ مفهومَ العدالة يجبُ أن يُطبقَ على الطرفين: الضحية والمتهم معاً؛ وأوضحَ المحامي في تصريحهِ لموقعِ “قناةِ كاب24 تيفي” بأنَّ على : “من يُطالب بإنصافِ الطفل عدنان -الذي اقتُرفَ في حقهِ جرمٌ شنيعٌ- عليهِ أن يطالبَ أيضاً بإنصافِ المُتهم. وهنا يُضيفُ كنون: “حتى المتهم أو القاتل يجبُ أن تؤخذَ ظروفه بعينِ الاعتبار: هل هو إنسانٌ سويٌ أم مريض ؟ وما الظروفُ الاجتماعية التي عاشَ فيها؟ ومن يتحملُ مسؤولية ما فَعله؟ هل البيت، الأسرة، المجتمع أم الدولة؟.

من جهةٍ أخرى، أشارَ مُحدثُنا إلى أنَّ المحكمة ربما عبرَ “حكم الإعدام” أرادت أن تعطيَ درساً للآخرينَ من أصنافِ قاتلِ عدنان، لكنَّ المشكلة حسب -المحامي كنون- تكمنُ في كونِ أنَّ “هؤلاء كُثُر ويقدرُ عددهم بالمئات. والأخطر أنهم يعيشونَ بيننا وفي قلبِ المجتمعِ المغربي.. يعيشون في صمتٍ مع ميولاتِهم “البيدوفيلية”.

من هذا المنطلق يرى مُحدثنا، بأنهُ “لابدَ للمشرعِ المغربي من وقفةِ تأملٍ في التعاملِ مع مثلِ هذهِ الحالات التي تعرضُ على المحاكم. وعليهِ أيضاً أن يعملَ على تهئيةِ أرضيةٍ قانونيةٍ مستقبلاً، لأنَّ في بعضِ الدولِ المتقدمة لا يتمُ إنهاء حياة هؤلاء الأشخاص بل تعمل الدولة على معالجتِهم نفسياً وإصلاح ما يمكن إصلاحه”.

أما في ما يخصُ تفعيل وتنفيذ عقوبةِ الإعدام في حقِ المُتهم، علّق كنون في تصريحه لموقعنا بأنَّ “القانونَ الجنائي المغربي ينصُ فعلاً على عقوبةِ الإعدام رغم وجودِ تياراتٍ مناهضةٍ  ورافضةٍ لهذهِ العقوبة، لكن رغم ذلكَ لم يُنفذ الإعدام في المغرب منذُ سنة 1993 – فيما يعرفُ إعلامياً بقضية الكوميسير “الحاج ثابت”-… عدمُ تنفيذ  الحكم في الحقيقة، هو الإشكال الذي يطرحُ اليوم، لأن المحكومين بهذهِ العقوبة يظلون في زنازنِهم إلى أن يقضي الله أمرهم”.

“حكمُ الإعدام” والرأيُ العام المتعطش للانتقام

من جهتها، ترى الأستاذة “يسرى الطاهري” محامية بهيئة طنجة في تصريحٍ لموقعِ “قناة كاب24تيفي”، بأنَّ غرفة الجنايات الابتدائية لمحكمةِ الاستئناف بطنجة، بعد أن كَونت  قناعاتها حولَ ثبوتِ الأفعال التي قامَ بها المتهم الرئيسي بعدَ اعترافه “انتصرت للطفولةِ البريئة والحقِ في الحياة وهي بذلك انتصرت للقانونِ والعدالةِ وكذا الرأي العام المتعطشِ للانتقامِ من الظلمِ واغتصابِ الطفولة”.  

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.