جيهان خليفة تكتب: الألوهة من” آنو ” الكنعانى إلى ” الله “جل جلاله ج 2

0

بقلم: جيهان خليفة “كاتبة وصحافية مصرية”:

“عند حضور الموت لأفلوطين كان آخر ما نطق به الآن أسعى جاهدا لكى يرتفع الجانب الإلهى فى إلى ما هو إلهى فى العالم والكون ” من كتاب ملامح الفكر الفلسفى .

هذه الكلمات تدعون للتساؤل .. هل يمكن للعقل الإنسانى أن يصل إلى الحقيقة فى سر الألوهة ؟ هل بإمكانه أن يلامسها يكتشفها يخترقها ؟ يقولون فى الولع الصوفى من إخترق احترق أى إحتراق يقصدون , أهو احتراق الفناء أم إنه الإ حتراق بنور الحقيقة وملامسة التجلى ربما.. كلها تساؤلات وتكهنات فى محاولة للتعرف على  كنهة الألوهة الغامضة

انتهينا فى مقالنا السابق عند تساؤل هل عرف الإنسان القديم الوحى ؟ ما لدينا من النصوص الدينية القديمة ، يمتلىء بذكر معلومات عن الوحى سواء جاءت فى شكل صيغة تربط الكاهن الأعلى بالإله أو صيغة ” وحى ” تأتى عبر حلم للإنسان الموحى له فى ذلك يقول بشار خليف : “أن ذلك يؤشر لمعيار مهم فى سياق الذهنية المعتقدية المشرقية كونها مرتبطة بشكل واضح بعالم النبوة والكهانة والعرافة التى امتازت بها حضارة المشرق القديم فتبلورالكهانة والنبوءة الفعال والمؤثر حدث فى الألف الأول قبل الميلاد ، رغم أن أساسها المعرفى المعتقدى كان فى الألف الثالث والثانى قبل الميلاد فمن يمتلك أن يوحى له هو الكاهن الأكبر الأكثر حظوه من سواه من الكهنة ” . [1]

النبوءة ووثائق مارى السرية

لقد قدمت وثائق مارى السرية (2000-1760) ق.م أدلة على وجود نوع من النبوءة ، حيث كان الأنبياء يوصفون كأشخاص تعتريهم نوبات من الإنفعالات والإضطرابات ، وهم يتلقون العلامات الخاصة بنبوءتهم أو ينطقون بالأجوبة عندما يسألون .

وقد ناقش آلان كوبرمسألة النبوة كما تجلت فى هذه الوثائق حيث يقول: “من الافت للنظر وجود مجموعة من النصوص الصغيرة التنبؤية، ويبدو أن هذا الخطاب النبوئى قد دون من قبل القيمين على شؤون العبادة ،والبعض الآخر عبارة عن رسائل نقلها الإله عبر أناس عاديين” .

 ويشير كوبر إلى أن ظاهرة النبوءه كانت تمثل نوع خاص وثانوى فى العلاقة مع عالم الألوهة لدى العموريين عموما فى الألف الثانى قبل الميلاد ، فى ذلك يقول آرنولد توبينى :” أن الأنبياء كانوا ظاهرة فى حياة المجتمع السورى إجمالا خاصة فى عالم الألف الأول قبل الميلاد حيث بدى يظهر التطور الهام لمجريات الذهن المعتقدى بكافة تجلياته حتى العصور الدينية .

ويشير توبينى إلى أن الأنبياء كانوا يرعبون الملوك وكانت النوبات التى تعتريهم تعتبر دلالةعلى أنهم يتلقون رسالة إلهية وبالتالى فإن الملك الذى يتحدى نبيا منهم كان يجازف فى احتمال إثارة الرأى العام ضده . [2]

يقول خليف :” فى مقاربتنا للمعتقدات فى الألف الثانى والتى هى استمرارية انسيابية لمعتقدات الألف  الثالث قبل الميلاد لاسيما فى منحى الطقوس والشعائر والصلوات نلاحظ ثمة إختراق أو تطورحدث فى طبيعة المعتقد ، تجلى فى مناحى عديدة أولها أنه حدث انتقال أو استبدال لإسم الإله العلى من آنو إلى ايل،  وايل هنا صفة للإله وليس اسم علم ، وأصبحت المجتمعات لا تؤمن بكثرة الآلهة الملائكية ، لذا نجد البانثيون الإلهى يرأسه السيد العالى الخالق للجميع ، مع مساعديه من الملائكة الإلهيين ،كل هؤلاء ينفذون قرارات الإله الكبير كوسطاء بينه وبين عالم البشروالأرض “. [ 3 ]

مع تطور البنية الإدراكية الدماغ البشرى بدء التفكير فى التوحيد

خلاصة القول أننا أمام تطور مهم فى التفكير العقائدى فقلة الرموز للظواهر الطبيعية والحياتية التى كانت سمة الألف الثالث قبل الميلاد ذلك دليل واضح على تطور فى نسق  التفاعل البشرى الإلهى يكمن بالدرجة الأولى وعلى حسب وصف خليف فى البنية الدماغية الإدراكية للإنسان وفى قوته الروحية التى نادت السماء وسعت إليها بقيم الخير والمحبة والرحمة والطاعة لسيد السموات والأرض .

ويقول جان مازيل ” إن القوة الروحانية العظيمة والخارقة للكنعانين مهدت الطريق للوحدانية فى المسيحية والإسلام بشكل خاص “

كل ذلك يؤدى بنا الى نتيجة مؤداها حدوث تحول فى الفكر الدينى، الذى كان يقوم على تعدد الآلهة عند السومريين فى الألف الثالث قبل الميلاد إلى الإرتقاء لدى البابليين فى الألف الثانى بصورة الإله،  مما يوحى إلى ملامسة فكرة التوحيد من خلال التحلل النسبى من طقوس الوثنية فشاع التفكير بإله واحد فى هيئات متعددة ولكن هذا وعلى حسب وصف خليف لم يتم صياغته فى عقيدة راسخة ” [4]

الله ظل متواريا فى السموات العلى خفى عن أنبياءه

وبوصولنا لعالم الألف الأول قبل الميلاد نرى أن هذا العالم شكل الأساس الثقافى لعالم الألوهة الذى ساد فى ذلك العالم حتى ظهور الرسالات السماوية وإلى يومنا هذا . فبالإنتقال من إله الشمس فى الإمبراطورية الرومانية إلى الله المسيحى على يد الإمبراطور قسطنطين هذا التحول يساير تفكير الإنسان المشرقى القديم ها قد تبدى الله للإنسان عبر المسيحية كما تبدى فى نفس الوقت الله الفلسفى عبرالأفلاطونية الحديثة ووفقا لمعظم المصادر العلمية التى تشير إلى أن إرث المسيحية الروحى والتاريخى هو تراث الهلال الخصيب فطابع المسيحية الأول كان طابع آراميا ، فالمسيحية دين توحيدى وسيطى بمعنى أن السيد المسيح هو الوسيط بين الله والإنسان وذلك وفق فلسفة المعتقد المشرقى  وكما يرى خليف فمن أدد أو بعل أو انليل كانوا وسطاء الإله العالى خالق السموات والأرض وهم ينفذون كلمة الحق جاء المسيح على نفس المسارالمعتقدى المشرقى  وأخيرا فقد تجلى الله للإنسان عبر أنبياءه .

وإذا انتقلنا لشبه الجزيرة العربية وجدنا أن المعطى العام لدى العرب كان توجه دينى لم يتبلور بعد فى دين رغم أن الله بمعناه الروحى قد عرف قبل الإسلام عند العرب الشماليين مثل الأنباط والصفائيين فالله كان غير مدرك ولكنه كان يحس روحيا ..ويقول الدكتور بشار خليف :” الله لم يظهر للنبى محمد كما أنه فى الرواية التوراتية عندما نزل على جبل الطور وأعطى موسى لوحى الشريعة لكنه لم يسمح له أن يرى وجهه أما الرواية المسيحية فتقول بأن المسيح نزل من السماء وعاش بين الناس وأوصل إليهم الكلمة بنفسه وفى الإسلام نزل الوحى على الرسول عبر جبريل مرسلا من الله من أول آية إلى آخر أية فالله ظل فى السموات العلى وبقى آنو = ايل =الله متواريا فى العلى متجليا للإنسان عبرخلقه وملائكته ” .  

مصادر

  • كتاب الدكتور بشار خليف ، نشوء فكرة الألوهة مقاربة تاريخية ، عن دار الأهالى للطباعة والنشر دمشق سوريا  ص61
  • نفس المصدر السابق  ص125
  • نفس المصدر السابق ص8
  • نفس المصدر السابق ص39
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.