حزب العدالة والتنمية: قبيل فوات الأوان

0

1/ تناقض المعتقد مع السلوك والتسويغ المنتظر

بقلم ماهر الملاخ: باحث إعلامي

أولا. مفاجأة غير سارة واستحقاق غير مسبوق:

يقف حزب العدالة والتنمية موقفا لا يحسده عليه، إذ وقع أمينه العام، ورئيس الحكومة الحالية، على اتفاقية التطبيع، يوم: 22دجنبر 2020، والتي لا تزال بنودها لحد الآن غير متوفرة للرأي العام، والتي يشك الكثير من المراقبين أن العثماني نفسه، قد كانت له فرصة الاطلاع عليها.

وفي محاولة لاستيعاب هذه الهزة غير المسبوقة التي حلت بالحزب، فهو يسعى الآن لعقد برلمانه الوطني، يوم السبت 23 يناير 2021، والذي من المنتظر أن يحسم مستقبله السياسي والتنظيمي برمته. إذ عليه أن يختار بين موقفين:

إما الانحياز التام لأمينه العام، وإعطائه الشرعية البعدية لما قام به يوم التوقيع. وإما محاسبته ثم الانحياز ضده.

ولكلا الموقفين ثمن باهض على كل المستويات.

بل حتى إذا اختار ان يهرب إلى الموقف البيني، حفاظا على بيضة الحزب، ولو مؤقتا، فقد يكلف ذلك مزيدا من النزيف الذي بدأت تلوح مظاهره حتى قبيل انعقاد المجلس الوطني.

فكيف حشر هذا الحزب نفسه في هذه الزاوية الضيقة، وبهذه السرعة والقساوة، وهل من مخرج يمكن أن ينحته في ظل هذا المأزق المشؤوم؟

ثانيا. شروط تطبيع على نار هادئة:

إن المتأمل في العناصر التي تحضرت للحظة التوقيع، يوقن تمام اليقين، بأن تلك اللحظة لم تكن إلا استثمارا لمجموعة من العناصر الموضوعية، التي تم التحضير لها منذ زمن، ويمكن أن نرصد ثلاثة منها على الأقل في العناصر الآتية:

  • ولادة قيصرية لحكومة شبه منتخبة:

لقد تابع الجميع كيف خرجت تشكيلة الحكومة الحالية عبر عملية قيصرية، أعقبت فترة سداسية سميت بالبلوكاج، حيث تم استبدال العثماني ببنكيران، وتم تشكيل الحكومة الجديدة وفق الشروط التي رفضها الثاني.

كما أدت الحكومة دورها المرصود كما كان مخططا له: حيث تم تمرير مجموعة من القرارات في ظل احتجاجات شعبية مختلفة، كما تم أغلاق ملفات الفساد دون محاسبة لأصحابها، وتم التراجع عن حرية الصحافة، عن طريق الانتقام من الأصوات المغردة خارج سرب ما يتم التحضير له.. وفي كل ذلك تم امتهان موقع رئاسة الحكومة إلى أدنى حد، في كل مناسبة وحين، فغدت أخف ثقلا من موقع بعض الوزارات، حتى غير “السيادية” منها، والتي من المفروض دستوريا أن تكون خاضعة لها.

 

  • حزب أول بدون أطروحة مرحلية:

تم كل ذلك في ظل أن حزب العدالة والتنمية، ولأول مرة، ذهب إلى مؤتمره الثامن (9-10 دجنبر 2017) دون أوراق، وخرج منه دون أطروحة. ليعيش لغاية اللحظة في مرحلة “فراغ الاطروحة”، في ظل نقاش داخلي سطحي تراوح بين الكيرانيين والعثمانيين، بدل أن يلتفت إلى عمق الإشكال البنيوي الذي تعيشه البلاد، والمتجلي في التراجع العملي عن دستور 2011، وبالتالي، انكسار خط الانتقال الديمقراطي في البلاد.

وقد حاولت بعض الأصوات، داخل الحزب، أن تدق نواقيس الخطر، كي يستعيد الحزب دوره الذي تبناه في ورقته المذهبية باعتبارها البرنامج السياسي العام، أو ضمن أطاريح مؤتمراته السابقة، والتي كان آخرها أطروحة المؤتمر السابع، الذ تبنى شعار: “من النضال الديمقراطي إلى البناء الديمقراطي”. والذي غدا، في ظل الظروف التي استجدت بعد ذلك، شعارا بدون معنى. لكن تلك الأصوات كلها، ظلت خجولة وبغير ذات تأثير، وكان آخرها، ما سمي ب”مبادرة النقد والتقييم”.

  • نتيجة سلبية لاختبار حساسية الهوية:

ففي ظل الولاية الحكومية الحالية، أبدى رئيسها قدرا غير مسبوق من المطواعية، حتى حينما كان يتعلق الأمر، بما كان يعتبره الحزب خطوطا حمراء، تعكس هويته الأيديولوجية، والتي كان آخرها، قبل ملف التطبيع، تمرير قانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، والذي رهن المغرب استراتيجيا ضمن الخيار الفرنكوفوني الشامل.

ولعل النجاح في تمرير هذا القانون، الذي صادق عليه البرلمان في غشت 2019، واستماتة رموز الحزب في تبرير طبيعته، يكون قد أعطى مؤشرا واضحا، على نتيجة سلبية لاختبار الهوية، وقدم الدليل الواضح على ما سيكون عليه الموقف، أثناء الإقدام على خطوة أخرى، من نفس الطبيعة الاستفزازية للهوية. وبذلك قد تشجعت الدوائر المالكة للقرار السياسي، لتسريع وتيرة التطبيع قبل انقضاء فترة الرئاسة الترامبية.

ولم تأت لحظة التوقيع المشؤوم، إلا وشروط نجاحها كانت جاهزة: رئاسة حكومة مستضعفة، وحزب أول بدون أطروحة، مع سلبية نتيجة اختبار الهوية.

فما الذي كان يمنع من المضي قدما نحو إخراج التطبيع إلى العلن، بمسوغ بعيد عن منطق القضية الفلسطينية، وهو الاعتراف الأمريكي بحق المغرب في صحرائه.؟

ثالثا. حزب تحت وطأة “التنافر المعرفي”:

تتجلى معضلة حزب العدالة والتنمية اليوم، بعد توقيع أمينه العام، كرئيس للحكومة على اتفاقية التطبيع، لا توازيها أي معضلة أخرى مرت عليه منذ 1996 إلى اليوم. فهي تمس عمق الهوية الأيديولوجية للحزب، والمبنية على المرجعية الإسلامية، التي تجعل من قضية فلسطين قضية مقدسة، تتجاوز قداسة اللغة العربية.

وبناء على ذلك الموقع الذي تحتله قضية فلسطين في تركيبته الأيديولوجية، فهو منخرط عضويا في مجموعة من الهيئات الوطنية والدولية المدافعة عن الحق الفلسطيني، والمناهضة للتطبيع. بل إن الحزب في معظم تلك الهيئات ليس مجرد عضو عادي، بل غالبا ما يكون عضوا مؤسسا ونشطا، حتى غدت لديه رموز مناهضة للتطبيع، وحاضرة بقوة في كل المعارك التي تهم هذه القضية.

كيف يمكن أن نفهم هذا التناقض الدرامي الذي نشهده اليوم، بحق حزب وطني، بين أدبياته المشكلة لهويته وموقعه المتقدم في خط النضال ضد التطبيع، من جهة، وبين تورطه، في التوقيع على اتفاقية التطبيع بين المغرب والكيان الصهيوني، من جهة ثانية؟

يسعفنا علم النفس الاجتماعي، في توصيف وفهم هذه الحالة. حيث يؤكد صاحب نظرية “التنافر المعرفي”، ليون فستنغر (1957)، كيف يمكن أن “يقوم أطيب الناس بجرائم لم يكن قد خطط لها من قبل.” حيث يمكن أن يحدث تناقض بين معتقداته الأصلية وبين سلوكه الذي يسلكه، أو معتقد جديد عليه أن يعتقده.

وهذا ما حصل للأمين العام لحزب العدالة والتنمية، حيث وجد نفسه أمام موقف -اعتبره إجباريا- أرغمه على التوقيع ضدا على كل ما آمن به هو وحزبه.

فكان من الطبيعي أن يدخل الأمين العام في محاولات ذاتية أولا، للتخلص من حدة الحالة التي يعيشها، عن طريق اللجوء إلى سبل التخلص من ذلك التنافر المعرفي، وهو التخلص الذي لا يخرج عن آليتين اثنتين، حسب ما يفيدنا به علم النفس الاجتماعي:

إما بإعادة تقييم السلوك الذي يتوافق مع إدراكه. أو إعادة تقييم المعتقد الذي يتناقض مع سلوكه.

أول بلغة أخرى: إما أن يقنع نفسه وحزبه معه، بأن ما قام به من توقيع على وثيقة التطبيع، لا يتعارض مع التزامه بالقضية الفلسطينية، بل ربما يخدمها أكثر.. وإما أن يعيد تقييم طبيعة علاقته بالقضية الفلسطينية نفسها، ليتوافق مع سلوك التطبيع.

ولكن يبدو، من خلال البيانات الواردة من الأمانة العامة، أو من خلال خرجات الأمين العام نفسه، أنه قد اختار الآلية الأولى، لتحقيق ما يسميه أوغست كونط: “تسويغ السلوك”. أي محاولة التلطيف من تناقض السلوك مع المعتقد.

مع أننا لن نفاجأ غدا، إذا ما ظهرت أصوات من داخل الحزب، تنحو نحو إعادة ترتيب العلاقة مع القضية الفلسطينية نفسها، إما بلغة براغماتية صرفة، أو بتقمص الخطاب المغرق في ادعاء أولية الوطني على الأممي.

غير أن هذا التسويغ السلوكي، الذي ينهجه الأمين العام وأمانته العامة، لا يبدو أنه سيمر بدون صعوبات وأثمان قد تكون باهضة. حيث ظهرت، من اللحظة الأولى، أصوات قوية مناقضة لأي تنازل عن المعتقد الأصيل، وذلك إما بالاحتجاج عن طريق تسجيل استقالات على مستوى عال او جماعي، وإما بتعبير هيئات موازية للحزب عن رفضها المطلق لهذا التسويغ او التنازل العملي. ومن ضمنها هيئاته الموازية، مثل شبيبته ومنظمته الطلابية، إضافة إلى شريكه الفكري والتربوي: حركة التوحيد والإصلاح.

وفي ظل ردود الفعل الداخلية تلك، يبقى موقف بنكيران، الأمين العام السابق للحزب، هو الأكثر غموضا وإثارة: ففي الوقت الذي كان ينتظر منه أن يحسم الوضع ليكون أكثر وضوحا، إن لم يكن على مستوى تدبير الموقف من التوقيع، فعلى الأقل على مستوى تثبيت موقف الحزب الرافض للتطبيع.. نجده قد ترك الباب مواربا بين الرفض والقبول، مرسلا رسالة واضحة إلى الدولة المغربية بأنه لا يمكن أن يكون أبدا مصدر إرعاج لقراراتها الاستراتيجي، مكرسا نفسه زعيما لا يزال يمتلك القدرة على التأثير، وجاهزا مرة أخرى لأي فرصة جديدة تتيحها الدولة له.

لذلك، تجد الأمانة العامة نفسها، في حاجة ملحة، إلى كسب مصداقية حقيقية لصالح هذا الاتجاه التسويغي، بمحاولة إقناع برلمان الحزب بجدوى هذا الخيار.

فهل سوف ينجح هذا المسعى لكي يكون الحزب قد نجح في امتصاص هذا الهزة التي تعرض لها؟ أم أن استحقاق الدورة القريبة للمجلس الوطني، سوف تكون محطة لتعميق النزيف الذي بدأت بوادره تظهر منذ أيام قليلة سابقة؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.