دورية السيد وزير الداخلية بين غياب مشروعية التحكيم والتشجيع على العدالة التوافقية

0

الدورية: تقزيم لإرادة المحتكمين وتهميش أعداد من المحكمين

بقلم: حمزة مرشد*

لا شك ان تجربة المحاكم الادارية رائدة طبعت تاريخ العدالة بالمغرب وسجلت وجود مؤسسة قضائية متخصصة كرست سمو السلطة القضائية و عضدت المادة 6 من الدستور المغربي التي أقرت على ان الجميع متساوون امام السلطة القضائية بما في ذلك السلطات العمومية، غير أن هذا الطريق إن كان أمنا بالنظر إلى الضمانات التي يوفرها لسلامة العدالة التي يؤديها،فإن ما يعاب عليه هو الندرة واجراءات الكم التي لا يماري أحد انها طبعت المحاكم الادارية.

وهكذا ان القضاء لم يعد محل اهتمام من منظور إحقاق الحق و رفع المظالم فحسب و إنما أمسى قطب الرحى في توفير مناخ الثقة كمحفز على التنمية و الاستثمار،وفي هذا الإطار فقد اعتمد ميثاق إصلاح منظومة العدالة ضمن توجهاته العامة لهذا الإصلاح على العمل على تشجيع اللجوء إلى الوسائل البديلة لحل المنازعات،خاصة بالطبع التحكيم و تيسير سبل المحفزة لذلك،ولهو تحلحلت درجة الأخد بالتحكيم في المنازعات الادارية حيث انتقل من منع اللجوء اليه الى حذره ثم اباحته.

وسعيا من المغرب لتوحيد المنظومة التشريعية مع الاتفاقيات والمعاهدات  والاوفاق الدولية المصادق عليها من جهة ،و من جهة أخرى لجعل هذا التشريع مواكبا للتشريعات الأجنبية الحديثة،وموالما للنهضة القضائية المعاصرة،فقد عمد تنظيم تصريف النزاعات غير المرتبطة بالنظام العام عامة عبر  التحكم الوطني والدولي والوساطة بمقتضى ، القانون 08.05 بمثابة مدونة التحكيم والمادة 5 من القانون 53.95 53 المتعلق بإحداث المحاكم التجارية وجملة من القوانين الاخرى…واشراك أعداد من القوى الحية في إشعاع ورش القضاء الخاص وجعله شريك القضاء الرسمي في بلوغ التنمية المنشودة.

وفي هذا السياق اتجهت إرادة السيد وزير الداخلية بواسطة دورية 25 مارس 2021 صوب البحث عن الألية المناسبة لإثراء هذ ا المجال وفق محاولة جدية نحو تطويعه لخدمة  النمودج التنموي الجديد وضمان الحكامة الترابية .ولا يماري إلا مجاحد ان هاته الدورية تعد قفزة نوعية وتعكس خيار الانتماء إلى السوق،وتسعى لتدارك معوقات القضاء العادي وأساسا الإداري الموسوم،ببطء المساطر وتعقيدها وما ينتج عنه من تأخر في فض منازعات الجماعات الترابية  خاصة  وأشخاص القانون العام عامة،والحؤول دون معظلة تنفيذ الأحكام الناجمة عنها. ولهو توجه حري بالتأييد لأن العيب الذي يكتنف القضاء الرسمي لم يعد من الجائز التغاضي عنه  في ظل بزوغ القانون 55.19 المتلعق بتبسيط المساطر الادارية ،باعتباره طفرة نوعية كرس إشعاع مبادئ رولان “الحكامة الجيدة” لاسيما مبدأ الجودة ،فضلا عن الاتفاقيات الدولية ذات الصلة التي تحث على البت في المنازعات داخل أجل معقول ،وكذا الخطابات المولوية لجلالته التي ما فتئت تجسد على أهمية نجاعة وفعالية التحكيم والوساطة .

بادئ ذي بدء  ان الدورية المومأ إليها تروم إلى إخراج  بعض  المنازعات  المتعلقة  بالجماعات الترابية  والهيئات التابعة لها ومجموعات الجماعات الترابية ومؤسسات التعاون بين الجماعات وشركات التنمية المحلية،من  ولاية  القضاء  لكي  تحل  عبر  المركز الدولي للوساطة والتحكيم بالدار البيضاء،وهو نهج يمكننا التباهي به، سيما ان المركز هو  من  أهم مراكز التحكيم والوساطة الذي تتولاه هيئة من الهيئات الدائمة أو  مؤسسة من مؤسسات المتخصصة ذات قواعد خاصة بها، و يندرج ضمن زخم التحكيم المؤسساتي لأنه يجري تحت رعاية وفي كنف المركز المذكورة. وبصرف النظر عن مساوئ التحكيم النظامي ومزاياه، لا نجحد ان المركز  CFC غدا منبرا يستقطب منازعات جمة،ونستشعر كفاءة وحنكة المحكيم المنظويين تحت لوائه.

غير ان هذه الدورية يكتنفها الكثير الغبش واللبس القانوني و تنبجس عنها  ثلة من المخاوف الإقتصادية.مما يتحمل معه التساؤل عن المعايير المعتدة لإختيار مركز دون أخر؟ بل ماهي أسانيد إقصاء التحكيم الحر؟،فهذا المنحى يمس ويغتصب مبدأ المنافسة الشريفة ويشيع معه الترف الفكري،ويعكس ولو سهوا التحامل والمحاباة من قبل جهة يتحتم عليها التأبيد في الحياد، وهذا التفاضل قد يفرمل التشجيع على إحداث هاته المراكز،وبالتالي إقصاء وتعطيل اشراك هذا النمط من المراكز في النهوض بالوظيفة القضائية.

والسؤال الأكاديمي الذي يطرح بشدة لماذا هذه الدورية ونحن في انتظار صدور مشروع قانون رقم 95.17  لتعديل القانون 08.05. هل هذه إشارة على استمرار الجولات المكوكية التي تطبع مشروع القانون أعلاه داخل الحكومة؟أم كان حري ان نكون في غنى عن هذه الدورية ونعير ماجاء فيها أهمية قصوى ضمن زمرة مشروع القانون رقم 95.17 وبشكل يقوم على  ربط دراسة الوضع والأثار بالتشريع مع إشراك المهتمين…

وتبع لما ذكر،نعتقد ان التحكيم عقد رضائي تشكل الإرادة عصب قيامه واختياره من لدن المحتكمين،بمعنى ان حرية الأطراف هذه والتي تعرف في علم التحكيم التجاري بالإرادة المطلقة للأطراف porty autonomy  لا محيد عنها عنها،يستوي في ذلك أن يكون التحكيم حرا أو مؤسساتيا باعتبارها أساس التحكيم بأسره، وقد تواتر العمل القضائي المغربي على  ان التحكيم يعد باطلا إذا صدر اتفاق التحكيم في غياب الأطراف،كتكريس لسمو التشريع الدولي على التقنين الوطني وتأكيد لما جاءت به اتفاقية نيويورك 1958 التي جعلت اتفاق التحكيم شرط جوهري سواء لاتفاق التحكيم أو تنفيذه. وعلى النقيض من ذلك فالتحكيم أمام مركز OCF يشكل تعبيرا منافيا للأصل، باعتبار أن التحكيم يقوم على توافق إرادة الأطراف حول اعتماده بشكل صريح.

مما لا شك فيه ان مبدأ الارادة  في علاقته باختيار المحكم كان له الدور الكبير في صحوة وإشعاع التحكيم،وباستقراء مستفيض للدورية نستشف أنها مست بإرادة الأطراف التي تنشئ التحكيم،وغدا معها التحكيم  أمام CFC إجباريا وإلزاميا من حيث اللجوء إليه وأساسا بالنسبة للمتعاقد الذي يندرج ضمن زخم الخواص، مما سيأثر سلبا على نجاعة التحكيم وفعاليته بل سنصبح امام التحكيم دون اتفاق،وبالتالي المس بمشروعية التحكيم وضرب عرض الحائط المبدأ الثوري القائل ان المحكم يستمد نظامه من تأهيله.

 والملاحظ إغفال الدورية المثارة أعلاه ان التحكيم يستند على شرط تعاقدي،وبمعنى أكثر دقة ان التحكيم نظام تعاقدي، ينجم عنه نوع غير مألوف من التحكيم، قد يكون قهريا ومنتهكا للقانون نتيجة إنتفاء إرادة المتعاقد مع الجماعات الترابية… فرضا هذا الأخير لا يستساغ أن يفترض فلابد من وجود دليل عليه. وهكذا قبول مركز للتحكيم CFC بدون اتفاق عليه ينبثق منه نمط جديد من التحكيم فيه قدر من الإذعان.

نافلة القول  ان هاته الدورية موسومة نهارا جهارا بجعل التحكيم الوطني قسرا و منافيا للأصل، ونجزم بعدم مشروعيته لكونه خارجا عن المفاهيم التعاقدية التي تشكل قطب الرحى في التحكيم برمته.والأكثر من ذلك يعتبر محتوى الدورية المعنية هو والعدم سواء كلما كان المتعاقد أحد الأطراف ينتمي لدولة متعاقدة في إتفاقية واشنطن لسنة 1965،لأن الإختصاص سينعقد لزوما لمركز واشنطن الذي يتوسع بدوره في الأخد بمبدأ الاختصاص بالإختصاص…

 *محكم دولي، وخريج ماستر الوسائل البديلة لفض المنازعات بفاس، وباحث في التحكيم لفض منازعات الملكية الصناعية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.