رائعة عرس الدم لغارثيا لوركا 

كاب24 تيفي – عبدالحي كريط:

لقد قتلوا فدريكو في الساعة التي يطل فيها الضوء. ولم تكن مفرزة الجلادين لتجرؤ على مواجهته. فأغمضوا اعينهم وصلّوا قائلين: ان الرب نفسه لن ينقذك. وسقط فدريكو مجندلاً على جبينه الدم والرصاص في أحشائه. ووقعت في غرناطة جريمة هل تدرون؟ مسكينة هي غرناطة… غرناطته؟»*أنطونيو ماتشادو.

هكذا عبر الشاعر والكاتب الإسباني ماتشادو عن حزنه الشديد لفراق صديقه ورثاءه ل فديريكو غارثيا لوركا جراء إغتياله على يد قوات الجنرال فرانكو في حقبة الحرب الأهلية بإسبانيا،وقد كان لوركا من أشد المطلوبين على لائحة قوائم  دعم الجمهوريين،بتوجيه من رامون ألونسو المعروف بقسوته وجهله وحقده على كل مثقف مستقل حيث كان يتربص بلوركا تربص الدوائر وهذا ماحصل فعلا حيث انه في صيف 1936 رجع لوركا إلى مسقط رأسه في غرناطة وبعدها بأيام قليلة إندلعت الحرب الأهلية في إسبانيا واستولى الجنرال فرانكو على الحكم ووصلت أصداء ذلك إلى غرناطة فاعتقلته ميليشيا تابعة للجنرال فرانكو،وسيق لوركا بعد ذلك إلى السجن وبعد أيام عصيبة قضاها في محبسه أفرج عن لوركا بمبرر تمكينه من زيارة قريب له وفي الطريق أخرج من السيارة وعدم رميا بالرصاص بتهمة كونه يساريا مناصرا للجمهوريين وهكذا إنتهت حياته وماتزال الظروف المحيطة بوفاته لغزا غامضا حتى الآن حتى أن قبره غير معروف،ومن سخرية القدر أنه تنبأ بوفاته من خلال رائعته المسرحية  عرس الدم Bodas de sangre موضوع مقالنا ، حيث أن الموضوع الرئيسي والأساسي لهذه المسرحية هي القدر الذي يرسم خيوطه في كل الاتجاهات وفي لحظة فارقة لحياة لوركا كانت أشبه بهجمة للقدر وكأنها نبوءة من لوركا بنهايته المحتومة، رفعت الأقلام وجفت الصحف.

عرس الدم ماأشبه اليوم بالبارحة

تعتبر مسرحية عرس الدم للكاتب والشاعر والمسرحي الإسباني فديريكو غارثيا لوركا واحدة من أبرز أعماله المكتوبة وكان أول عرض لها في مدريد من عام 1933 ،حيث تأخذك روايته المسرحية إلى عالم آخر تتشابك فيها  أحاسيس مختلف العناصر والشخصيات وفي قالب تراجيدي قوي،حيث مزج فيها لوركا بين الدراما والشاعرية من خلال الفلكور الأندلسي،ومسرحية عرس الدم هي الأقوى تأثيرا وشهرة ضمن ثلاثيته الساحرة عرس الدم ويرما yerma و منزل برنارد ألبا  la casa de Bernarda Alba ,حيث ساهمت هذه الأعمال التي تعتبر إمتداد لعرس الدم ضمن ثلاثيته إلى إحداث ثورة داخل المشهد المسرحي في القرن الماضي وساهمت بشكل كبير في الرفع من مستواه.

وبالرجوع إلى موضوع مسرحية عرس الدم فاءن هذه المسرحية تحكي قصة عروس وعشيقها، ليوناردو، اللذان يعشقان بعضهما عشقا بلا حدود ولكنه عشق لن يتحقق ابدا: ليوناردو متزوج من ابنة عم العروس، وهي تتجهز للزواج من رجل آخر. وهذا الآخر ينتمي لعائلة كل أبنائها قتلوا على يد أبناء عائلة ليوناردو. عشق الطفولة و الصبا الذي عشعش وسكن  قلب ليوناردو والعروس ينقلب لموجة عارمة تقتحم حياتهم وتزعزع قوانين المجتمع.

العروس ومن اجل تحقيق رغبتها، تختار ان تهرب مع ليوناردو في ليلة زفافها، وعائلة عريسها المهان تقرر في الحال ملاحقتها بطلب ازالة العار الذي لحق به. هذه المطاردة الشرسة والقاسية تمنعهم من تحقيق رغباتهم وتوصلهم الى قدرهم المحتوم.

إن هذه المسرحية ترمي إلى إيصال فكرة جوهرية مازالت بعض المجتمعات تعاني منها خاصة المجتمعات التي تجعل العرف مقدس على الدين وهذا موجود حتى عند بعض المجتمعات العربية التي جعلت العرف كاءطار عام يتحكم في العلاقات الإنسانية علما ان الدين لايمنع ذلك فاءضفاء القداسة على الأعراف باطل شكلا ومضمونا وهو يخلق حاجز قوي بين علاقات الأفراد ،فالمسرحية تنقل موضوع الصراع بين الأسر العريقة والأخذ بالثأر وعنف مشاعر الحب في مقابل حاجز التقاليد الاجتماعية  وبرودها وأيضا تتطرق المسرحية إلى حق المرأة في الدفاع عن مشاعرها بكل قوة وعنفوان حتى لو كان هذا التكوين مضادا لبنية المجتمع الذي هو بمثابة أسوار ومتاهات تتغذى على قدسية العرف المضادة للدين .

فجوهر هذه المسرحية تخاطب جميع الأديان والفلسفات والثقافات ويمكن توظيفها حسب طبيعة المجتمع المختلفة والمتنوعة وانا عندما قرأت هذه الرواية فإنني انظر اليها من زاوية ثقافتي فالثقافة هو مفهوم واسع وفضفاض وأعم وأشمل ونقصد به مختلف أنواع المضامين الثقافية من دين ولغة وتاريخ ومجتمع …الخ لذلك استوقفتني نقطة هامة تقديس العرف على حساب الدين الإسلامي الحنيف الذي كسر قيود العرف المقدس الذي مازال نعاني منه في بعض مجتمعاتنا بدعوى الحرمة التي ماأنزل الله بها من سلطان ..

كما أن هذه المسرحية الماتعة والممتعة تجسد أيضا الواقع المعاش زمن لوركا عندما كانت إسبانيا تحت الحكم الفاشي زمن فرانكو ،فحمل لوركا في أحشاء كلمات عرس الدم قيم إنسانية تتلاقى مع جميع تطلعات الشعوب التي لازالت تحت نير الديكتاتورية والطغيان والظلم، فمسرحيته هي إمتداد لتطلعات مختلف الشعوب التواقة إلى الديمقراطية والعدل وقد لقي عمله هذا إقبالا لدى المتلقي العربي القارئ والمثقف والذي طالما أحس بأحاسيس وإذعانات القدر التي تشبه مافي هذه المسرحية وماثورات الربيع العربي إلا جزء من هذه المسرحية التي تخاطب الوجدان والضمير المتطلع نحو مستقبل ووطن مزدهر وواعد لجميع مكونات المجتمع.
فمسرحية عرس الدم تعتبر من أفضل أعمال شاعرنا نظرا لما تحمله أيضا من قضايا مثل الحرب الأهلية والقهر والاستبداد السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي تعرضت له المرأة الاسبانية ،كما تتميز المسرحية باءنعدام البطل المنفرد فكل شخصية هي البطل وهي المحرك الأساسي في العمل أي أن كل الشخصيات تشترك في تطور الأحداث وتخلق عدة مفاجآت.

فهذه المسرحية نقلت لوركا من كونه شاعرا كبيرا إلى كونه من أبرز وأكبر كتاب المسرح الحديث خلال زمنه من خلال فلسفته الفريدة في تصوير وتحليل القدر وكأنه كائن خفي يحكم قبضته على الناس وتسير حياتهم حتى وإن حاولوا المقاومة ،فالشهوة والحقد والقدر والمصير المأساوي الذي يجلب معه الموت الدامي العنيف هي خلاصة هذه المسرحية التي تشترك في أهداف إنسانية وتتلاقى من خلال عدة قيم ومبادئ حيث لازالت بعض الشعوب رهينة أنظمة وساسة جعلوا من الاوطان والعقول مزرعة خاصة وكأنها بقرة حلوب لاينضب حليبها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *