top-banner-970×90

صورة مصغرة ليوم الحساب في عصر الجائحة !

بقلم: عبدالحي كريط

لازال الفيروس التاجي كوفيد 19 يحصد المزيد من الأرواح  اضافة الى تزايد عدد الاصابات وضحاياه الاقتصادية في العالم ،عصر الجائحة الذي تحول إلى صورة مصغرة من أهوال يوم القيامة يذكرنا باﻵية الكريمة ((فاءذا جاءت الصاخة، يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه )).

حيث انفصل الناس وتكسرت روابط المودة والرحمة فبيت الله الحرام في اشرف بقعة على وجه البسيطة بدون معتمرين والكعبة بدون طواف ،والمساجد في العالم  بلا مصلين والكنائس تدق اجراسها في حزن وصمت، والشوارع خالية والحدائق تفتقد إلى ابتسامات الأطفال فالجميع يقيمون في المنزل خائفين من العطس والسعال أثناء مرورهم من هنا أو من هناك.

في مشهد من يوم القيامة الصغير ، أفرغ الفيروس التاجي  العالم من سكانه بينما  في يوم القيامة  سيصبح العالم مزدحما وسيقف الناس جنبا إلى جنب في صفوف متراصة أمام ميزان الحق والعدل الإلهي.

وهنا نطرح هذا التساؤل الميتافيزيقي اللاهوتي، هل الناس أعدوا العدة واستعدوا لمثل هذا اليوم ؟ الذي سيأتي لامحالة  هل صالحوا مع انفسهم ومع الآخرين من أجل مواجهة يوم القيامة الفعلي؟ هل لجأوا إلى الله إذ ليس لهم من يلجأ إليه إلا الله؟ هل تراجع طغاة الأرض عن اضطهادهم  للبشر والحجر والشجر ؟

للأسف  لم يستيقظ الناس بعد عن غفلتهم، على الرغم من الدعوات التي ملأت أرجاء المعمور ولم يحاولوا فهم الظروف التي يعيشونها  على الرغم من أن هذا الفيروس  قد أعطاهم فرصة للتأمل والتدبر  من أجل تطهير قلوبهم من الغل والحسد والنفاق قبل تنظيف أيديهم وتنقية أرواحهم بالصلاة والدعاء قبل التدافع الطوفاني على أبواب الأسواق والمتاجر  لشراء منتجات التنظيف والتعقيم  اذن ما الفائدة من تنظيف منزلك ومحيطك عندما يكون قلبك مليئا بالضغائن؟

ترامب الرئيس الأمريكي الشعبوي ﻷكبر قوة اقتصادية وعسكرية في العالم ، وقف عاجزا عن مواجهة هذا الفيروس المكروسكوبي، على الرغم من امتلاكه أكبر ترسانة من الأسلحة المدمرة  في العالم،ومع ذلك لم يساعده ذلك  القضاء على هذا الفيروس ولم يجد مهربا أو  مخرجا سوى اللجوء إلى الله داعيا أن يحمي الله بلاد العم سام ودعا  الأمريكيين للصلاة من أجل أن يرفع الله هذا الوباء .

في الوقت الذي لجأ ترامب فيه إلى الله لينقذه وهو رئيس لاقوى دولة علمانية بالعالم ، نجد بعض العلمانيين العرب يبتلعون ألسنتهم ولا ينطقون ببنت شفة عن هذا السلوك على الرغم من أنهم يطلقون ألسنتهم المسمومة  لسب المسلمين الذين يتضرعون الى الله لرفع هذا البلاء، متهمينهم إياهم  بالتخلف والجهل.

أما  المستبدون العرب  فلم يؤثر عليهم مشهد يوم القيامة المصغر و لم يلجأوا إلى الله ولم  يغيروا ويضبطوا سلوكهم في مواجهة الفيروس بل  أصبحوا أكثر استبدادا وظلما ضد شعوبهم حيث رفضوا الإفراج عن السجناء السياسيين  ومعتقلي الرأي  ظلما وعدوانا ،بل ذهبوا إلى اعتقال المزيد  وإلقاءهم في السجون وكأن لسان حال طغاة العرب تستلهم من اللسان الاستبدادي والنفسي لفرعون وتجلت في الآية الكريمة (( ماأريكم إلا ماأرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد )).

أما في الغرب فكثير من دولها كانوا يتباهون بامتلاك القيم الأخلاقية وقدموا  أنفسهم كنماذج للحضارة الحديثة  مقارنة ببلدان العالم الثالث المتخلفة لكن  بمجرد ظهور الفيروس ،،بدأوا يتصرفون مثل قطاع  الطرق عندما صادروا شحنات الأقنعة الطبية أو بما أطلق عليها إعلاميا “حرب الكمامات”  في مشهد دراماتيكي وكأنه مشهد من فيلم Mad Max , جردهم من أقنعة الأخلاق وكأن الآية الكريمة تقول ((ان الانسان خلق هلوعا ، إذا مسه الشر جزوعا ، وإذا مسه الخير منوعا.))

فيروس كورونا هو نعمة من الله للبشر ، لأنه أدى إلى إدراك الناس لمدى هشاشتهم وضعفهم واحتياجهم  بعدما اضحى الغرور هو الوقود الذي يسيرهم ورجعوا إلى حجمهم الطبيعي حيث أدركوا أنه بغض النظر عن مدى قوتهم المعرفية والعلمية ، فإن هذه القوة تأتي من الله ، فحان الوقت أن يعودوا إلى الله ويعززوا معتقداتهم ويصلحوا سلوكاتهم في البر والمعاملة مما يسمح لهم بتغيير أنفسهم وكأن الله يقول لنا  في هذه الاية الكونية ((إن الله لايغير مابقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم )).

فهل وصلت رسالة الفيروس إلى جميع البشر؟ أم أنهم لا يزالون ينتظرون فيروسات جديدة أكثر قوة وأكثر  فتكا وتطورا ،ولكن بالنسبة للطغاة والكثير من الناس فاءنهم  يتمنون أن يتمكنوا من العيش الف سنة حتى يتمكنوا من مواصلة أعمالهم الاستبدادية ، حيث إنهم لا يعرفون أنه بعد هذه الألف عام  سيعودون إلى منشئهم في يوم القيامة الحقيقي الذي ترعبهم نسخته المصغرة التي أنشأها فيروس كورونا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد