غضب شعبي من فكر جامد

بقلم: عثمان ركيك

إن المتابع للمستجدات الدولية، سيلمح ﻻ محالة تراجع لأدوار الدولة في العالم، حتى أن هناك بعض اﻷصوات التي أصبحت تنادي بإصﻻح اﻷنظمة التي ترتكز عليها الدولة، و هناك من ذهب ﻷبعد من ذلك، بإسقاط اﻷنظمة واختراع أنظمة جديدة تعوض الحالية، هذا دون ذكر اللاسلطويين، فهل نحن فعﻻ بحاجة ﻹصﻻح فكري يناسب تطلعات الشعوب.

حقيقة ﻻ تخطئها عين هي الغضب الشعبي العالمي على آليات الحكم في أغلب البلدان، فبين حكم فيدرالي هش في عديد البلدان، يحول الدولة من وضع الكيان اﻷقوى إلى كيان مهادن، أو حكم على أساس طائفي يقسم فيه أبناء الطائفة كعكة الحكم بينهم، أو حكم الفرد أو الديكتاتورية، إلى غير ذلك من اﻷنظمة، التي أثبتت على مر السنوات فشلها، دون أن يلقى لها المفكرون والسياسيون بديﻻ.

في غمرة كل هذا الغضب، يطفو الشعبويون على الساحة بين الحين و اﻵخر، بوعود كاذبة تﻻمس أحاسيس الجماهير و تعطيهم آماﻻ زائفة في التغيير، غير أن ما هي إﻻ سنة أو سنتين بعد توليهم مناصب القيادة في الدولة حتى تكتشف الجماهير زيف وعوده و ﻻفتقاره ﻷي رؤية تخرج المجتمع من أزماته، ليعود الغضب مرة أخرى بصفة أقوى و أكثر جدية هذه المرة.

هذا السيناريو رأيناه في السنوات اﻷخيرة يتكرر مراراً، فبعد أن جرب العالم الشيوعية لقرابة 40 سنة، و كان المنظرون لها يصيحون بأعلى أصواتهم بقيمها و كونها ستحمي الشعوب من خطر تسلط اﻷغنياء و تسلط أرباب العمل عليهم و سيحقق المساواة بين كل أفراد المجتمع. إﻻ أن ماحدث هو أن كل موارد الدولة تركزت في أيدي الأقلية الحاكمة، إضافة إلى معضلة البيروقراطية كون الحكم في النظام الشيوعي يكون مركزياً و بالتالي تثاقل المساطر و ضعف التفاعل في اﻹدارة، زد على ذلك مشكل اﻹنتاجية، فبعض القطاعات كانت تعاني من فائض في اﻹنتاج و البعض اﻵخر كانت تعاني من الخصاص، والعديد من المعيقات التي حالت دون تحقيق هذا النظام للأهداف الوردية التي رسمها له مفكروه، و التي ضحى بحياتهم المﻻيين خدمة له دون فائدة تذكر.

بعد سقوط الشيوعية، نهجت نفس الدول التي حاربت منذ زمن قريب اﻷنظمة الرأسمالية، نظام السوق الحر والذي هو امتداد للأنظمة الرأسمالية لكن بصفة أكثر توحشا، لتعود نفس المشاكل القديمة بعد اتساع الهوة يين الطبقات و تآكل للطبقة المتوسطة و تقهقر الدولة عن أداء وظائفها سواء في الخدمات و حتى القطاعات الحيوية، فالتعليم و الصحة في بعض الدول أصبحت حكراً على القطاع الخاص،  و أصبحت السلطة العليا في البﻻد هي سلطة المال، خصوصاً مع ظهور نظام أكثر توحشا مع بداية هذه اﻷلفية و هو النيوليبرالية و التي تجعل من العالم قرية صغيرة، و المال و الأعمال فيه خاضعين للمصلحة و التكلفة المتدنية لﻹنتاج، ﻻ على أساس إقتصاد الوطن اﻷم، و ربما لهذا باتت الصين عالميا تكنى بمصنع العالم.

وحتى مع محاولات الشعبويين الجدد العودة إلى الرأسمالية التقليدية من خﻻل سن ضرائب إضافية على كل السلع المستوردة و تشجيع الناتج المحلي، إﻻ أن مساعيهم تبقى غير موفقة، خصوصاً أن اﻹستهﻻك العالمي في تنامي مستمر، و كذلك نهم رجال الأعمال جعلهم غير مكترثين بأعداد البطالة المتزايدة بشكل مستمر في أوطانهم.

باﻹضافة إلى الفشل المجتمعي، فالسمة التي تشارك فيها المنظرون للرأسمالية أو الشيوعية، هي عن المشكل ليس بالفكرة بقدر ما هو مشكل التنفيذ، في حين أن الواقع يبين ان العلة في الفكرة و ليس في التنفيذ و إذا لم يعي أصحاب القراربأن التخلي عن الفكرتين ينضج شيئاً فشيئاً في أذهان الشعوب، فسيصبحون متجاوزين و يدفنون كما دفنت أنظمة قبلهم.

فالتساءل مازال مطروح، ما البديل عن الأنظمة الحالية؟ وإن كانت هناك أفكار واعدة، فهي ما زالت تحتاج إلى تدعيم لها، بدراسة معمقة للمجتمعات المعاصرة و ترسيخ لمفاهيم جديدة تجعل المواطنة عمودا لها، و تكون بذلك العقد الاجتماعي الجديد الذي يؤطر عﻻقة الحاكم بالمحكوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *