قراءة في تصريحات ماكرون الأخيرة.. بين اﻹستشراقية المتطرفة والعلمانية الشاملة

بقلم: عبد الحي كريط

شكلت تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول رؤيته الضيقة تجاه للإسلام بقوله  أن ​”الإسلام​ ديانة تعيش اليوم أزمة في كل مكان في ​العالم” جدلا في الاوساط الإعلامية والثقافية الفرنسية​، مشيراً إلى أن “الإسلام يحاول خلق منظومة موازية لإحكام سيطرته في البلاد”.

كما أضاف على الدولة الفرنسية مكافحة الانفصالية الإسلاموية التي تؤدي في نهاية المطاف إلى تأسيس مجتمع مضاد”.

تصريحات ماكرون الأخيرة جاءت في سياق دولي وإقليمي جد مضطرب فبينما العالم حائر ومترقب تجاه الوضع الجديد الذي أسسته فيروس كورونا والذي بدأت تنكشف بعض خيوطه المسرحية وعيونه   مترقبة لنتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية  المقرر إجراؤها بعد أسابيع قليلة والذي سيضع الفصل الأخير لهذه المسرحية المبتذلة في بورصة النخاسة  السياسية ؛يخرج ماكرون الذي على مايبدوا أنه يريد دغدغة مشاعر الناخبين الفرنسيين في الانتخابات الرئاسية المقبلة من خلال خطاب استشراقي متطرف وذلك بعد تهاوي أسهم شعبيته بالشارع الفرنسي بسبب  فشل سياساته الاقتصادية والاجتماعية وفقدان فرنسا لنفوذها الخارجية خاصة في بعض مستعمراتها السابقة وصدامها السياسي والشبه العسكري مع تركيا بشرق المتوسط والذي كشف فيه أردوغان عن عورة ماكرون ووضعته  تركيا في حجمه الحقيقي بعدما كان يعتقد أن دعمه لبعض  الديكتاتوريات العربية في دول الربيع العربي للصدام  مع تركيا وإنهاكها سيعيد له بعضا من بريقه البونابارتي الوهمي.

لكن مايهمنا في هذا الموضوع هو تصريحات ماكرون الأخيرة ولن تكون الأولى ولا الأخيرة فالرئيس الشاب عودنا غير مامرة في مهاجمة الإسلام كدين وليس كأفراد  وبطريقة ملتوية ومبطنة ومنمقة وبأسلوب استشراقي ظاهره  كنهوتي لاهوتي وباطنه خطاب استشراقي ثقافي عرقي ينصب على الأقليات الدينية  والباسها لبوس التطرف  وتضخيم دورها إعلاميا من خلال ابواقها الداخلية والخارجية على الحضارة الغربية وقيمها السياسية في ضرب فاضح لقيم العلمانية التي لاتفرق بين دين أو عرق أو لون وهي إحدى الصور المطابقة للتراث الإسلامي  في نسختها اﻹعتزالية  “فمن شاء فليومن ومن شاء فليكفر،” أو بصيغة أخرى العقل أساس النقل
فأي إيهام بتعارض الدين والعلمانية هو نسيان لجذور العلمانية في التراث القديم وأسسها في القرآن الكريم أو التبعية للثقافة الغربية وإخراجها من سياقها، وإسقاطها على سياق آخر طبقًا لعقلية التعارض بين الصوري والمادي، العقلي والتجريبي، الأنا والآخر، الدنيا والآخرة، من دون الجمع بين المصطلحين وربما المفكر والفيلسوف المصري الراحل أستاذنا عبدالوهاب المسيري قد وضع النقاط على الحروف في معنى اعادة تعريف مصطلح العلمانية وتقسيمها إلى علمانية  جزئية  و علمانية شاملة .
 
ماكرون بتصريحاته الأخيرة  أضر بصورة النظام الفرنسي العلماني الذي يبدوا أنه يتجه نحو منحى إعادة تشكيل النظام العلماني الفرنسي باتجاه علمنة شاملة وهي علمانية متطرفة تنهل من معين كتابات وايديولوجيات إستشراقية منحازة ومدفوعة بأغراض استعمارية ووجهات نظر مسبقة لتعزيز الصورة النمطية للاستشراق وكأن تصريح ماكرون هو استلهام لخطاب الاستشراق بالقرن الثامن عشر والذي اعتبره إدوارد سعيد في كتابه الذائع  الصيت الاستشراق “Orientalism” والذي يعتبر إحدى أهم المراجع في حقل الدراسات الاستشراقية –   أن خطاب الاستشراق بالقرن الثامن عشر شكل أسلوبا غربيا للسيطرة على الشرق.

وتبدوا هذه النظرة متأصلة في التقليد الاستشراقي الغربي الجديد المتسم بالحدة، والخلط بين العنف المتطرف وبين نقد الإسلام ذاته. وهذا مانلمسه مؤخرا في خطابات بعض الساسة بالغرب بالرغم من خلفياتهم  الايديولوجية التي لاتمت بصلة باليمين الشعبوي المتطرف ويعتبر  ماكرون خير مثال في ذلك .
 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.