كاب24 في حوار مع الكاتب المغربي ميمون حرطيت حول عمله الأدبي الجديد الخبز الجافي

0

” لولا مدينة الناظور، لما كان للخبز الجافي أن يخرج إلى الوجود”

حاوره عبدالحي كريط

الخبز الجافي رواية واقعية  تحكي عن الصراع الضاري من أجل كسب أسباب البقاء، في ظل ظروف حياتية عصيبة تُروى الأحداث بواسطة ساردين متعددين؛ تربط بينهم رؤية لطفل تعلم أبجدياته الأولى من خلال معايشته لصراع أبويه من أجل بناء العش الأسري. ينمو الطفل السارد وتنمو معه الأحداث؛ لتصف لنا نماذج من المعايشات لمراهق لم تسر به الظروف سيرها المرتجى، فاكتوى بنيران الانقطاع المدرسي، وذاق مرارة البطالة التعلمية لسنوات غير أن إصراره، وإرتباطه بأسباب إكتساب المعرفة جعلته يتخطى المطبات، ويغترف من نبع مدرسة الحياة الزاد الكافي للالتحاق بسلك التعليم، ويبصم على مسار ملفت.

الخبز الجافي هي توأم الخبز الحافي للكاتب المغربي الراحل محمد شكري في ظروف العيش القاسية التي تطرق إليها كل منها بطريقته.

ضيف هذا الحوار هو الكاتب المغربي إبن مدينة الناظور “ميمون حرطيت”ليتحدث لنا عن أولى إنتاجاته الأدبية الجديدة والتي تحمل الكثير من المعاناة التي خاضها الكاتب في حياته بدءا من مرحلة الطفولة  عنوانها الإصرار والتحدي لتحقيق الهدف رغم كل الظروف والمعطيات الصعبة التي مر بها في مسرح الحياة .

1-أول ما يتبادر إلى أذهاننا عند قراءتنا لعنوان كتابك “الخبز الجافي” نتذكر رواية الخبز الحافي للكاتب المغربي الراحل محمد شكري، هل هناك قواسم مشتركة بينهما ؟

تبادر إلى ذهني منذ البدء، بأن العنوان الذي إخترته لكتابي(الخبز الجافي) سيكون مستفزا نوعا ما؛ نظرا لتركيبته الأبجدية المتشابهة مع عنوان آخر للكاتب الكبير؛ الراحل محمد شكري (باستثناء نقطة وحيدة مستقرة تحت حرف الجيم؛ عوض الحاء)؛ والتي غيرت كثيرا في المعنى. غير أنني وللأمانة؛ لم أفكر قط في رائعة محمد شكري، وأنا أدون تفاصيل باكورة أعمالي؛ وإن كانت القواسم المشتركة بين العملين تتجلى في أكثر من مستوى؛ أهمها الجنس السردي المتشابه؛ المتمثل في الرواية/ السيرة، وزمن الأحداث المتقارب بعض الشيء في منطلقه، وظروف العيش القاسية التي تطرق إليها كل منا بطريقته، ثم مسقط الرأس الذي هو؛ نواحي مدينة الناظور غير أن ثمة اختلافات تتبدى في المضمون، وفي الشخصيات، فشخصية الأب في عملي على سبيل المثال؛ مناقضة تماما لما ورد عنه في رواية/سيرة محمد شكري. حيث يبدو الأب عنده متسلطا، و فظا غليظ الطبع. وغير ذي نفع؛ في حين يستحوذ الأب في عملي على مساحة كبيرة من الوقائع؛ كما أنه يبدو متضامنا، وحاسا بالمسؤولية. وكذلك الأمر بالنسبة للأم التي لعبت دورا محوريا في روايتي؛ وهي تتقمص دورا مزدوجا؛ فإلى جانب دورها المتعلق بأشغال البيت، تقوم أيضا بأعمال (رجولية) تتعلق بالمساهمة في بناء الدار الطينية؛ لبنة بعد أخرى. ثم التضافر، والتفاهم الذي يطبع الأب والأم في عملي، على عكس التنافر الصادم في عمل الراحل شكري. وعلى مستوى الشكل، تختلف روايتي من حيث تضمُّنها لعناوين فرعية لنصوص قصيرة يطبعها عنصر التشويق.

على كل، فالتشابه في بعض الجوانب الفنية للأعمال الإبداعية، لا يعني التطابق، ولا يقلل من قيمتها

2-الخبز الجافي يرصد بعضا من  سيرتك الذاتية  حول الصراع الضاري من أجل كسب أسباب البقاء في ظل إكراهات وآلام الحياة ،كيف ساهم هذا المعطى في تكوين قريحتك الأدبية؟

لقد عايشت واقعا مريرا، وأنا أتابع بعين الطفل الفضولي، إصرار أبوي على النضال المستميت ضد الفقر في تلاحم قل نظيره. لقد استخلصت من هذه الإرادة في التغلب على قساوة الظروف المعيشية، عِبَرا وظفتها فيما بعد؛ مع فارق في الدواعي، والنتائج. لقد تساءلت أكثر من مرة؛ وأنا منقطع عن الدراسة منذ سنة “البروفي”:لمسافة زمنية عمرها عشر سنوات طوال: هل سيكون مصيري مثل مصير أبوي؟ وهل أملك مثلهما نفس الإصرار على تجاوز المطبات التي تعرقل مسار حياتي؟ اهتديت إلى نتيجة مؤداها؛ أن لا طريق سالكة إلا طريق مد الجسور بيني وبين الكتاب؛ وإن كان خارج أسوار المؤسسة التعليمية، لذا جعلت منه صديقا لا محيد عنه؛ سواء في مراحل اشتغالي في أعمال مقَنّّعة، أو في سنوات بطالتي وهو ما أهلني لأن أتعلم أكثر، وأغرف من بعض ينابيع المعرفة؛ مستفيدا من مدرسة الحياة، و من الأصدقاء؛ لتتكون لدي في الأخير رؤية؛ مع أنني في مجال الإبداع لا أزال أحبو حبو الصبيان؛ فيما العمر قد شارف على الخريف

3-هل صحيح أن الإبداع يولد من رحم المعاناة ؟

لا؛ ليس بالضرورة، فبقدر ما تساهم الأحزان، ومشاق الحياة في توليد الإبداع، يكون للسعادة، والرفاهية، وراحة البال أيضا، دور لا يمكن تجاهله في الإنتاج الإبداعي. ويبدو لي أن العُدّة الأساسية في أي إبداع؛ هي الموهبة المصاحَبَة -طبعا- بالتوازن النفسي، وبالمعرفة بكنه الأشياء.

إن الإنسان مهما كان حزينا، أو سعيدا، فإنه لن يستطيع التعبير عن ذلك الحزن، وتلك السعادة سواء كان ذلك على المستوى الشخصي، أو المجتمعي؛ إذا لم تتوفر لديه تلك المَلَكة الإبداعية في أي مجال كان؛ وإلا لكان العالم يعج الآن بملايين المبدعين

4-ماذا تمثل لك مدينة الناظور في الخبز الجافي؟

– أعتبر أنه لولا مدينة الناظور، لما كان للخبز الجافي أن يخرج إلى الوجود على الشاكلة التي ظهر بها، من ناحية المضمون على الأقل. فهي بالإضافة إلى كونها مسرح الأحداث في جل فصول الرواية؛ فإن المادة الأساس التي شكلت نواة هذا العمل، تعجّنت في رحم هذه المدينة

فهي إذن ملهمتي، وسر من أسرار هذه الرواية/ السيرة

5-لاحظت أن العديد من الكتاب المغاربة  المنتمين لمنطقة الريف خلدوا إسم مدينة الناظور في أعمالهم  كالمرحوم  محمد شكري والكاتب د الحسن بلعربي في روايته بيوت من طين والكاتبة المغربية الكتلانية الريفية ليلى قروش والتي خلدت اسم المدينة في رواية من الناظور إلى فيك..الخ ما هو السر في ذلك باعتبارك ابن هذه المنطقة ؟

– لكل مبدع مرجع مكاني يستلهم منه مادة إبداعه، ولقد شكلت مدينة الناظور بالنسبة لي، هذا المرجع. الذي أتقاسمه مع العديد من مبدعي المنطقة. إضافة إلى كونها مسرح حياتي؛ فبدون هذه المدينة؛ لا أتصور لي كينونة حقيقية إذ هي مسقط رأسي، وفيها تنشقت أول هبة هواء. إنها بشكل أو بآخر، وعاء ذاكرتي الذي أغترف منه كل ما يرتبط بي، و بمن يحيطون بي. ولقد أفردت لها نصا خاصا، تحت عنوان(مدينة في القلب) بثثتها فيه حنيني، و رثائي معا، حيث وصفت جمالها المتفرد الذي اتصفت به في حقبة الستينيات، معرجا على معالمها، وشوارعها، و سوقها، ثم متأسفا على ما آل إليه حالها بعد منتصف الثمانينيات، لمّا لعبت بها أيادي الخراب المتمثلة في البناء العشوائي من جهة، وبلا مبالاة القائمين على مؤسساتها العمومية، حتى أصبحت مدينة بلا روح؛ ملمحا إلى إمكانية استعادتها لرونقها، وجمالها ذات يوم

6-كيف إحدى عناوين كتابك “سلخ الجلد” ذكرت التلاسن الذي حصل بينك وبين أبيك بسب إنقطاعك عن الدراسة واصرارك على العمل ،ماهي الدوافع الأساسية التي جعلتك تفكر بهذه الطريقة خاصة وأن السلطة الأبوية في ذلك الزمن كانت جد متحكمة؟

برغم شراسة الصراع الضاري الذي عايشه أبي من أجل بناء العش الأسري، وإستمرار ذلك طيلة حياته، وبرغم قساوة الحياة التي لم تمهله أية فرصة لاسترداد الأنفاس، و برغم الصرامة التي كانت تبدو على محياه نتيجة لذلك، والسلطة التي خولها له النظام الباتريركي؛ (أبوية السلطة)؛ فقد كان(رحمه الله) متفهما للوقت، متضامنا، مقدرا للظروف. لا يُسقط مشاكله على أولاده؛ ولا على غيرهم. كان همه الأساس أن نبدو في أحسن مظهر، ولو على حسابه هو ولقد ارتأى على مضض أن أكون بقربه، وتحت مراقبته، على أن يرغمني على فعل شيء لم أكن أريده في ذلك الوقت فأضيع. أما الجرأة التي تحدثت بها معه، فكانت نتيجة للصراحة التي اعتدنا التعامل بها

7-اللحاق بآخر المقطورة إحدى أهم فصول الخبز الجافي لأنه تناول مرحلة حاسمة في بلورة حياتك المهنية وعند قراءتي لملخص عنه راقني أسلوب سردك للأحداث وبنهاية دراماتيكية مثيرة للاهتمام ،كيف  ساعدك هذا الأمر في تخطي الصعوبات الأخرى التي واجهتك بعد هذه التجربة ؟

– لم تكن الطريق مفروشة بالورود، لقد كان لزاما عليّ أن أضاعف الجهد؛ بعد أن بدا لي بصيص نور في آخر النفق؛ (أقصد قبيل الولوج إلى عالم المهنة)، والتحرر من إسار الشك والإحباط؛ لكن جدران مركز التكوين كانت تخنقني، لأنني لم أالف ذلك النظام شبه العسكري في إحترام الوقت، والإنضباط للمواد الدراسية، بعد أن إستانست بالفضاءات الحرة لعقد من الزمن، وكان عليّ إذن أن أستحضر شريط حياتي، وأنا في عز البطالة، وقلة ذات اليد، لأجعل منه حافزا يدفعني دفعا نحو مزيد من الإصرار على رفع وتيرة التحدي، واضعا نصب عيني المآل الأسود في حالة الفشل

8-هل يمكن القول أن الطفولة التي عشتها وقد تخللتها العديد من الصعاب كانت محركا ودافعا أساسيا للمضي قدما نحو تحقيق الذات ؟

– لكل واحد منا تجارب حياتية، قد تكون صغيرة أو كبيرة، هينة، أو صعبة؛ لكن جدواها يكمن في مدى الاستفادة منها بتكييفها مع واقع الحال، وهذا صعب؛ فالتجارب التي نمر بها لا تستنسخ نفسها حين نعايشها في المستقبل لكي نتعظ بها، وإنما تأتينا كإحاءات فقط؛ نظرا لاختلاف الزمكان، والأسباب، والعقلية. لقد مررت بتجارب ظلت راسخة في ذهني، لا أزال أستنير بها كلما إعترضني عائق؛ لكن أحيانا لا تكفي التجارب؛ حين تتدخل قوى لا طاقة لك بها. لذا أقول: التعثرات لن تكف مع ذلك أبدا عن الحدوث

9-رغم تحفظي الشديد على جملة أساتذة فرض عليهم التعاقد وباعتبارك أستاذا تنتمي إلى الجيل الذهبي  للأسرة التعليمية ،ماهو تقييمكم لواقع التعليم في المغرب الذي يعرف نكوصا على عدة مستويات؟

التعليم بالمغرب ليس بخير، والترقيعات التي يتم إدراجها في كل مرة كحلول؛ لن تزيده إلا غرقا. إن أول شيء يلزم القيام به هو إيجاد إستراتيجية وطنية شمولية تأخذ كل العناصر المتعلقة بالمنظومة التعليمية في الإعتبار؛ لا كما تفعل الآن، حيث تعالج جوانب دون أخرى، كما لو أنها ترقع قطعة قماش كما يجب الكف عن التوظيفات المباشرة للقادمين من مختلف المسالك. إن. إدراج مسالك لعلوم التربية أمر ضروري للحصول على تكوين ناجع؛ لأنه من جهة سيكون الولوج إلى ميدان التعليم من إختيار الطالب منذ البداية، ومن جهة أخرى يكون هذا الطالب قد إستفاد من تكوين نظري وتطبيقي في اﻹختصاص، كما يجب التوقف عن إسترداد المناهج والبيداغوجيات الجاهزة من دول أخرى، لأن ذلك لن ينجح أبدا. ولنا في ذلك تجارب فاشلة في أكثر من مرة

10-كلمة ختامية 

أود أن أقدم جزيل شكري لهذا المنبر الحر، لما يقوم به من أجل التعريف بالمبدعين، وإنتاجاتهم، ولما ينتج عن ذلك من أثر إيجابي على المبدع ، والقارئ بشكل خاص، وعلى الثقافة بشكل عام

وأشكر الصحافي المتميز عبدالحي كريط على إهتمامه بعملي .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.