ظاهرة الجريمة المتوغلة – أي سبيل للخلاص

كاب 24 تيفي/ أمين الزيتي

تتواصل تداعيات الأحداث الاجرامية، بمختلف المدن المغربية، وتزيد حدة انتشارها يوما بعد يوم، الشيئ الذي بات يؤرق المشهد العام، في أحداث باثت تتناسل وتسمع تبعاتها كل دقيقة من الزمن هنا وهناك دماء تزهق، في اعتداءات يبقى ضحاياها أبرياء ذنبهم أنهم يتمتعون ويتطلعون إلى مستقبل نظيف تتعايش فيه مختلف الفصائل و التوجهات داخل حلقة يحكمها قانون السلم المجتمعي، شعاره الوقار والإحترام.

اليوم ورغم الإشادة التي تتلقاها المؤسسات الأمنية من دول الجوار بخصوص إستراتيجيتها في محاربة الجريمة بأنواعها، ومنها خطط العمل الإستباقي، إلا أن واقعا آخر ينطق بلغة لا تكاد تفهم من وراءها عدا سيطرة الفكر الغابوي وهيمنته بشكل باث يؤرق مشهد التعايش بين أبناء جلدتنا، فلا أخلاق استطاعت كبحها ولا السياسات العامة التي لم تستطع السيطرة حتى داخل هياكلها، ولا مرجعية الدين الذي يحرم كل خطوة اعتداء على الآخر.

إذن ونحن نناقش ظاهرة يستوقفنا المقام فيها، ونسعد بتسليط جوهر النقاش بقياسه ضمنيا بمدن كانت قبل الأمس القريب تنعم بالأمن والأمان، قبل أن تصبح أبرز شوارعها ونقطها الهادئة مسرحا للجريمة والإعتداءات بوسيلة اختلفت وتفنن ربانها في صنعها لتبقى النتيجة عنوان دم هنا وهناك، تنفد عملياتها تارة بالأسلحة البيضاء وأخرى بمادة الفلفل الحار، أو مادة الماء القاطع، دون الكلام عن العربدة بكلام ساقط يندى له الجبين.

هي دماء بريئة كتب لها أن تراق على يد أشخاص يظنون أنفسهم فوق القانون ، أشخاص لا يملكون ذرة من الإحساس بالآخر، همهم هو السيطرة وممارسة الشغب بإسم القوة، يسلبون الناس أمتعتهم و راحتهم وأحيانا أرواحهم ، هم في الأخير قبل أن يكونوا جناة ، قد نصنفهم حسب آراء أساتذة علم الإجتماع ضحايا مجتمع، وضحايا تدبير، ويتامى تربية و أخلاق ،خصوصا منها المتوجة بتفريخ أبناء في سن الزهور ، وفي الغالب الأعم في ريعان الشباب ، أبناء بقدرة تدبير أو شيوع سياسة اللامبالاة، تجردوا من الإنسانية واختاروا قناع الإبادة ولذة الإستبداد ، باتوا يحنون أكثر من أي وقت مضى إلى حمل أسلحة بيضاء، ممزوجة بلغة لا تكاد تفهم من ورائها سوى عبارات قدرة بات مسرحها الفضاء العام وكل الأماكن المشتركة.

ترى ما هي أسباب انشار الظاهرة/ ومن هم أبطالها/ وما هي الحلول الجدرية لكبح جماح مثل هاته الأحداث المتسلسلة / وما مدى نجاعة الإرادة الأمنية ، وآلة الردع القضائية لفرض رقابتها على المخلين وممارسي اللغة الغابوية في الفضاء المشترك / وما شكل المنحى التي تتخده الجريمة أمام إرادة إستباقية في محاربة الجريمة التي ما فتئت تنهجها الادارة العامة للأمن الوطني أمام الوباء.

 طبعا في خضم مناقشتنا لهذا الموضوع الشائك، الذي أخد مساحة شاسعة بين الرأي العام الوطني فبين حائر وواع وبين مشتك و مدين ، سنحاول بإيجاز رصد عبر سطور متواضعة وإن لم نفي حق الموضوع لجسامة أحداته المتتالية ، حيث أن المدن التي تقبع بين أحضان الجريمة والجريمة المنظمة والمتصدرة قائماها كالدار البيضاء وسلا ومنطقة الغرب على الخصوص، هذا بعد بروز ظواهر مشينة وانتشار جلي وفاشي وغير مشرف للبطالة و الفقر وغيرها مما ساهم بشكل مباشر وغير مباشر في العملية ، حيث من خلال جولة خاطفة بين بعض الأحياء الشعبية التي كانت قبل وقت قصير نموذج للمدن التي تنتج كفاءات عالية في الصناعة والتجارة ومراكز القرار ،والتي أصبحت اليوم بقدرة قادر تخلق الاستثناء ، و تسجل أرقام مهولة في صفوف أبناءها الذين كانت تعقد أمل التغيير عليهم ، وما تكشفه الأرقام المسجلة في الدوائر والمراكز الأمنية والمفوضيات، وكذا وما تبرزه تقارير وزارة الداخلية والتي تعد بمئات الآلاف من الجرائم التي تقع سنويا في المغرب ، تتوزع بين جرائم القتل العمدي والسرقات تحت تائرة التهديد بالسلاح الأبيض وجرائم السكر والدعارة والسرقة والنهب والضرب ،والجرح ، ومنها التي تربعت على عرش الأخبار اليومية ، و التي لم نكن نسمع عنها من قبل ، من قبيل ما بات يروج اليوم بشكل مخيف عبر مواقع التواصل الاجتماعي ، كظاهرة التفنن في تسلم الرشوة و الاختطاف والاغتصاب وقتل الوالدين ، والانتحار والخيانة الزوجية والدعارة والنصب والاحتيال والدعارة الراقية ،و البسيطة والسياحة الجنسية التي بات المغرب ينافس فيها تايلاند، وانتحال صفة ينضمها القانون ، كلها مظاهر تشمئز منها النفوس وباتت اليوم أكثر من أي وقت مضى تهدد سلامة المواطن الذي لم يعد يثيق العيش داخل حلقة يحكمها الانحلال الأخلاقي ، ويستبدها الفكر الحيواني وسببه الرئيسي بعد غياب الايمان والوعي ، و آفة الهدر المدرسي، وطامة التربية والإدمان وكارثة البطالة ويثم القيم والأخلاق والبعد الفاشي للهيئاة المعنية بممارسة دورها الإجتماعي داخل الفضاء العام ،وغياب سياسة القرب من الأبناء و عدم الانصات لمعاناتهم ومواكبتهم داخل وخارج المنزل ، وكذا شيوع تجارة الخمور بالقرب من المؤسسات التعليمية وانتشار بيعها وبيع واستهلاك الأقراص الهلوسة في صفوف تلاميذ في سن الزهور ومنح تراخيص للخمارات قرب الأحياء ، حتى باتت في متناولهم، زكاها شيوع الرذيلة في بلد اسلامي يدبر شأنه العام رئيس ملتحي ذات ايديولوجية اسلاموية شعارها الوسطية والاعتدال الشكلي، أمام متناقضات لا تكاد تفهم من وراءها سوى شكليات الركوض الكركوزي من أجل الحصول المال ولو على حساب السلم والكرامة و الأخلاق.

وهنا سنستحضر أنه من بين الأسباب الداعمة للعملية كالعمالات والبلديات المنتخبة المنضوية تحت لواء وزارة الداخلية، والتي تصدر بين الفينة والأخرى بيانات وأرقام حول انتشار الظاهرة بأرقام مخيفة ، تبقى فيها المساهم الأول في يانصيب الانحراف ،وذلك عبر التراخيص التي تمنحها أولا / داخل بلد اسلامي/ تانيا / دون معايير حفظ سلامة الأفراد من الاذمان / وعدم احترام مجال الترخيص القريب من المدرسة و الحي ،كلها تبقى دعامات وخطى أمامية لتفشي ظاهرة الجريمة بأنواعها الى جانب الادارة الأمينة التي تقف مكتوفة الأيدي أمام مراكز ومحلات بيع هذه المواد المدمرة وفي واضحة النهارتغض طرفها عنها ، في ظل اقتفائها لأثر من يستهلكونها في الفضاءات العامة وغيرها ،هي سياسة تغض الطرف على القوي وتفتح على المستضعفين قرب الحانات والنوادي الليلية ومراكز تجارة الخموروالمحلات بمعية أصحاب الحال لاقتفاء أثر مستهلكيها ،الذين أدمنوا ولم يختاروا طريق الاذمان وذلك بسبب الفقر والفراغ والبطالة للبحث عن لحظة سعادة عابرة لحظة كذب على النفس الأمارة بالسوء ،أمام واقع لا يتساهل مع البطالة الحثمية المؤدية الى …. والسرقة ….. والإعتداء على الأصول ….. وما جاور ذلك ، تم أخيرا إلى القتل لا قدر الله .

كل هذا وذاك بسبب سياسة التطبيع مع ما سلف ذكره، وغياب الارادة الاستباقية على المستوى التربوي والاجتماعي والسياسي، هما معا يشكلان دعامات الخلل الحاصل داخل سجلات تنفخ أرقامها وتعرض على أسماعنا آناء الليل وأطراف النهار، ما باثت تعطي لنا إشارة إلى إجبارية التشاركية المشتركة بين القضاء والأمن والفاعل السياسي دون إغفال رأي المثقف في عملية البناء التي تنسج خيوطها من قاعدة الرأي الباني، حتى نخرج بأقل الخسائر الممكنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *