إيمان الطالبي تكتب: الذين قست قلوبهم!

 

كاب24تيفي: إيمان الطالبي

عاش العالم وعشنا معه حروبا ونكسات ونكبات، و نالت القضية الفلسطينية حقها من المشاعر والتفاعل في وقت مضى، فكان لشهيد الانتفاضة الثانية محمد الدرة النصيب الأكبر، حيث اهتز العالم لاستشهاد الدرة وهو يحتمي في أحضان والده، انتشر مقطع الفيديو آنذاك وانتفض العالم بأسره لاستشهاده، استطاع المشهد أو المقطع القصير أن يختصر معاناة  الشعب الفلسطيني وكل ما تقوم به إسرائيل من انتهاكات لحقوق الإنسان، لقد كان الصرخة التي أيقظت العالم من صحوته،فانتفض وثار، وكرد فعل قام العرب بإطلاق حملات لمقاطعة المنتجات الإسرائيلية والأمريكية و التي من شأنها أن تدعم الاحتلال، فارتفع صوت المنابر بالدعاء على الكفار واليهود بالهلاك والعذاب.

بعد أن هدأت الأوضاع نسبيا في فلسطين، اندلعت حروب في مناطق أخرى وتوالت، فتحولت الأنظار فجأة إلى العراق، ثم نال حظه من التعاطف.ثم ظهرت داعش وأخذت حيزا من الاهتمام الإعلامي ونجحت في بث الرعب في النفوس، وانتشرت مقاطع فيديو لهم وهم يقطعون الرؤوس ويحرقون الناس أحياء، وعلى ذلك مثال الطيار معاذ الكساسبة الذي كسب تعاطف العالم، لكن سرعان ما أصبحت عمليات الحرق والإعدام وقطع الرؤوس أمرا عاديا.العالم اليوم يعيش مرحلة جد صعبة من المحيط إلى الخليج، حروب اليمن وسوريا والعراق وأزمات سياسية في تونس ولبنان وصراع مصر مع طاعون الإرهاب، والقضية الفلسطينية التي تعاني في صمت من بطش الاحتلال الإسرائيلي والصراعات الطائفية ..لكن كل هذا بات اليوم عاديا لا يثير غضب أو قلق الناس سوى من هم أمام المدفع.

الأحداث الدموية لا تنتهي، والأخبار ما زالت تصل إلينا بشكل أو بآخر مع تعدد المنصات والوسائل الإخبارية، لكن المشكلة تكمن في طريقة استقبالنا للخبر وتفاعلنا معه، فقد أصبح اليوم من العادي الاستيقاظ على خبر سقوط قتلى في عملية إرهابية أو جراء سقوط قذيفة أو ارتقاء شهيد أمام المسجد الأقصى.

لقد أصبح بمقدورنا اليوم تناول الطعام والتهام صحون البطاطس المقلية أمام نشرات الأخبار، وهي تبث عملية انتشال طفل من تحت الأنقاض، دون أن تبدو على ملامحنا أية مشاعر تأثر وإذا حدث وأن تحركت مشاعرنا فإن مدة التـأثر تكون قصيرة جدا ومحدودة، بل أن هنالك من يتابع الأخبار بدافع الفضول لا أكثر أو بدافع البعث في النفس الشعور والإحساس بالأمان .

لا نعرف ما إذا كان هذا التبلد هو مرض نفسي ناتج عن توالي الصدمات أم أن تكرار الأحداث والوقائع الدموية وتشابهها جعل القضايا الكبرى تبدو صغيرة، أم أننا فعلا قمنا بدفن الإنسانية إلى الأبد، فالشعور باللاشيء وغياب الإحساس بالحزن وعدم الإعراب عن القلق هو أمر مقلق فعلا، لأن الموت قادم لا محالة، وخبر انتشالنا من تحت الأنقاض هو خبر مؤجل فقط، تماما كما هو حال مشاعرنا.. المؤجلة.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.