د الإدريسي: المثقف والجنس فصل المقال فيما بين بوعشرين وطارق رمضان من إتصال

الدكتورخالد الإدريسي يكتب لكاب 24 تيفي 

ترسخت لدى المجتمعات المتحضرة فكرة إيجابية عن الإنسان المثقف باعتباره غالبا ما يكون شخص ذو تكوين عال و مثالي على المستوى الثقافي و العلمي و الأخلاقي بشكل يجعله قدوة لعامة الناس سواء من خلال شخصه كإنسان متوازن و محترم أو من خلال أفكاره التي يدونها في كتبه و مقالاته أو يلقيها في خطاباته و محاضراته ، و التي يصبح مؤمنا بها عدد كبير من الجماهير التي تتخذها كمبادئ أساسية تسير عليها في حياتها الشخصية و العملية . و بالتالي فوظيفة التوجيه و التأثير على الرأي العام التي يقوم بها المثقف تجعله من الضروري أن يتصف بصفات ذاتية و موضوعية جد متميزة من أجل أن يستطيع جذب إنتباه الجماهير لتتبنى أفكاره ، فلا يكفي أن تكون للمثقف أراء و مواقف استثنائية و مهمة تعزز مكانته الموضوعية ، و لكن يجب أن يكون أيضا شخصا ذو سلوك حسن من الناحية الأخلاقية و الشخصية ، حتى يستطيع أن يكون تأثيره متكاملا على الجماهير التي تحب أن يتمتع قدوتها بنوع من الكمال النسبي و شيء من التكامل بين الصفات الإيجابية الشخصية و الموضوعية .
لكن طبقة المثقفين ليس نمطية و متشابهة بحيث يمكن إطلاق أحكام مطلقة إيجابية أو سلبية على الجميع من دون مراعاة الإختلاف الموجود فيما بينهم في المبادئ و الأهداف و في الاستقلالية و الموالاة و في الوطنية و الوصولية . بل إن المثقفين أنواع فمنهم المثقف الحر المستقل الذي يقول الحق و لا يخاف في ذلك لومة لائم و فيهم المثقف الموالي الذي يكون عبارة عن بوق يردد صدى ما يريده الحاكم سواء من خلال تبرير الظلم و الانتهاكات التي يقوم بها هذا الأخير أو من خلال إقناع الشعب بكون ما يعيشه هو أعلى سقف يمكن الوصول إليه و أنه ليس بالإمكان أفضل مما كان ، و هذا النوع الأخير هو الغالب و الأكثر تواجدا على الساحة الثقافية و الإعلامية ، لا سيما أن الدولة ساهمت منذ مدة في بلورة سياسة محكمة هدفها تدجين المثقف و الاعلامي و جعلهما في خدمتها مقابل امتيازات مادية و معنوية . في حين أنه توجد فقط قلة قليلة من المثقفين الأحرار و المستقلين الذين قامت الدولة بمحاولات عدة من أجل إستمالتهم سواء باعتماد سياسة الجزرة و الامتيازات و في حالة فشلها تطبيق سياسة العصا و المنع و الإعتقال و التهديد ، و رغم ذلك فإن المحن التي يمر منها هؤلاء المثقفون الأشاوس لا تزيدهم إلا تشبثا بمبادئهم ، و ترفع من قيمتهم المعنوية و الرمزية لدى الجماهير .
و ربما وعي الدولة بهذا الأمر و لا سيما تأثير و صدى المحاكمات ذات الطابع السياسي و الحقوقي لهؤلاء المثقفون المناضلون على زيادة قيمتهم الرمزية و أيضا نسبة شهرتهم لدى الجماهير و تأثرهم بهم ، هو الذي جعل الدولة تأخد بعين الاعتبار أن الاعتقالات و المحاكمات لا تحقق لا الردع العام و لا الردع الخاص بقدر ما تحول مثقفين و أصحاب رأي ربما عاديين إلا أشخاص ذوي شهرة و تأثير كبير على الرأي العام . و بالتالي فان هذه العلاقة بين سياسة التنكيل بالمثقفين الأحرار و زيادة تأثيرهم الجماهيري هو الذي أدى إلى تغير التعامل مع هؤلاء المثقفين و ذلك عن طريق التركيز على تشويه صورة المثقف من الناحية الأخلاقية و تصويره على أساس أنه يمارس أفعال غير أخلاقية و غير مشروعة و بالتالي فتلك المبادئ التي ما فتئ يرددها هي فقط عبارة عن شعارات جوفاء من شيطان مارد كان يظنه قرائه و متابعيه أنه ملاك طاهر .
و يمكن التدليل على صحة هذا الطرح من خلال نموذجين بارزين الأول على المستوى الدولي و هو المثقف الشهير و الداعية الإسلامي طارق رمضان الذي يستقر في فرنسا بلد ” الحرية و الديموقراطية ” و الذي كان رهن الإعتقال لعدة أشهر لمتابعته بارتكاب جريمة إغتصاب سيدتين في فندقين في تاريخين منفصلين و اعتقاله على ذمة ذلك قبل أن يمنح سراح مؤقت لا يمنع من إعادة إعتقاله أو الحكم عليه بعقوبة سالبة للحرية نافذة . و معلوم أن طارق رمضان من المفكرين الإسلاميين المتنورين المعتدلين الذين يعطون صورة إيجابية عن الإسلام ، و بالتالي فأطروحاته الفكرية لم تكن تعجب الكثير من خصومه و أعداء الإسلام الذين يحاولون دائما تشويه صورة الإسلام و المسلمين و ربطه بصور نمطية سلبية كالتخلف و الإرهاب و عدم المساواة و هضم حقوق المرأة … الخ , و بالتالي لم يكن من حل من أجل ضرب أفكار و مواقف هذا المفكر الإسلامي الذي نال شهرة واسعة و أصبح تأثيره واضحا من خلال عمله على إقناع الرأي الغربي برسالة الإسلام السمحة و بوسطية هذا الدين و إعتداله ، سوى توريطه في قضية أخلاقية من خلال إتهامه بارتكاب جريمتي إغتصاب إرتكبتا سنتي 2009 و 2012 ضد امرأتين في فندقين كان يقيم بهما . و بغض النظر عن أن الجرائم المزعومة غير ثابتة من الناحية القانونية لاعتمادها على مجرد تصريحات و ادعاءات مجردة للمشتكيتين ، فإنه ثبت بالملموس بحسب تسريبات الصحافة أن المشتكيتين كانتا تنسقان مع أطراف أخرى معروفة بعدائها للمفكر الإسلامي طارق رمضان ، و بالتالي فإن هذه الواقعة على ما يبدو هي واقعة مختلقة و مفبركة بقصد ضرب صورة المفكر الإسلامي و من خلاله ضرب أطروحاته الفكرية التي صحح بها حقيقة الإسلام لدى المجتمع الغربي و أبعدها عن الأحكام المسبقة و الصور النمطية السلبية التي كانت مرتبطة به . و هكذا يظهر أن مفهوم صدام الحضارات يبقى دائما مفهوم قائم الذات و متجسد بشكل عملي ، و تستعمل فيه أساليب قذرة و ملتوية كتشويه سمعة الأقطاب الفكرية من خلال توريطهم في قضايا أخلاقية بقصد إنتزاع مصداقيتهم و إظهار تناقضاتهم بين الأقوال و الأفعال ، و بالتالي ضرب التيار الديني و الإيديولوجي الذي يعتنقونه و يدافعون عنه .
و النموذج الثاني الذي نستدل به للبرهان على صحة هذا الطرح هو من داخل وطننا الحبيب ، و ذلك من خلال القضية التي استأثرت باهتمام الرأي العام الوطني في الشهور الأخيرة ، و هي قضية الكاتب و الصحفي توفيق بوعشرين الذي يقضي حاليا عقوبة سجنية مدتها إثنى عشر سنة بعد أن تمت متابعته و إدانته بارتكاب جرائم إغتصاب و إتجار في البشر و متابعات أخرى كلها ذات صلة بالجانب الأخلاقي . و لكن هل يعقل أن يقوم كاتب و صحافي مثقف مثل توفيق بوعشرين بما هذه الجرائم التي لا يمكن أن يقوم بها إلا عتاة المجرمين من الذين ولدوا و فطرة الإجرام بداخلهم ؟ ثم أليست كل كتابات و مواقف توفيق بوعشرين كلها تدعوا إلى المساواة و العدل و الديوقراطية و التقدم و التحضر و محاربة الفساد و ما إلى ذلك من مبادئ و قيم مثالية و ضرورية لكل دولة حتى تصبح أكثر رقيا و تقدما ؟ إذن أين الحقيقة , هل توفيق بوعشرين مجرم و يخفي روحه الشيطانية وراء مواقفه و أفكاره المبدئية ؟ أم أن جرأته و موضوعيته و مهنيته و ” تطاوله ” للمس بقضايا فساد و سوء تدبير من طرف شخصيات عمومية أصبحت متحكمة في المشهد السياسي و الاقتصادي للبلد ، هي الدافع وراء فبركة هذا الملف ذو الطبيعة الأخلاقية ؟.
مما لا شك فيه أن توفيق بوعشرين من أفضل الصحافيين و الكتاب على المستوى الوطني ، و أنه ربما أحسنهم من ناحية تناول مواضيع مقالاته الموضوعية و المهنية ، و من الواضح على أنه كان قلما مزعجا للعديد من السياسيين و المسؤولين الكبار الذين كانوا يتوجسون من إفتتاحياته و ما تتضمنه من تحاليل تنزل عليهم كالنار على الهشيم ، و على سبيل المثال كلنا يتذكر كيف كشف النقاب على عملية إستيلاء الوزير أخنوش بتواطؤ مع وزير المالية آنذاك بوسعيد على صندوق مخصص لتنمية العالم القروي رغم أن تدبير هذا الصندوق هو من إختصاص السيد رئيس الحكومة الذي لم يعلم بالأمر إلا من خلال مقال توفيق بوعشرين كما صرح بذلك . و هذه الواقعة تثبت بالملموس حجم القوة التي كانت تتمتع بها افتتاحياته و أيضا حجم الازعاج الذي كان يسببه للمسؤولين الكبار الذين يحاولون تمرير بعض الأمور التي لا علاقة بالمصلحة العامة من تحت الطاولة . هذا الأمر جعل الصحافي توفيق بوعشرين على فوهة بركان ، فتمت متابعته بالعديد من التهم في عدة ملفات للزعم بارتكابه جرائم نشر أخبار زائفة و السب و القذف و ما إلى ذلك من جرائم أخرى نصت عليها مقتضيات مدونة الصحافة ، و تم الحكم عليه بغرامات و أداء تعويضات خيالية من بينها قضية عزيز أخنوش وصندوق تنمية العالم القروي الذي توبع فيه بوعشرين بنشر خبر زائف و السب و القذف و تم الحكم عليه بأدائه لفائدة عزيز أخنوش مبلغ أربعمائة و خمسون ألف درهم كتعويض عن الضرر الذي أصابه . و لكن ما تفطن إليه من يريدون ترسيخ ثقافة التعتيم الإعلامي و فك الإرتباط بين المسؤولية و المحاسبة , أخيرا هو أن الحكم بعقوبات قاسية ضد الصحافيين مثله من الجرائم السياسية لا يزيد الصحافي إلى قيمة و رمزية و شهرة ، و بالتالي فالمتابعات الصحفية لن تعطي النتيجة المرجوة إلا من خلال إخراس صوت الحقيقة و الموضوعية . و لهذا فإنه لابد من إبتكار طريقة جديدة تجمع بين عقاب الصحافي من جهة و بين القضاء على مصداقيته و رمزيته من جهة أخرى . و هذا الأمر لن يتيسر إلا من خلال متابعة ذات طابع أخلاقي تتجاوز فيها مقتضيات قانون الصحافة بضماناتها و عقوباتها المالية فقط ، إلى الارتماء بين أحضان القانون الجنائي بالجرائم الخطيرة التي ينص عليها و بالعقوبات المغلظة التي يحتوي عليها ، و في نفس الوقت يتم ضمان القضاء على التعاطف الشعبي الذي يمكن أن يتكون لصالح الصحافي المتابع أو على الأقل خلق شكوك لدى الرأي العام و جعله محايدا و يتعامل مع هذه المحاكمة كأي محاكمة عادية . و بالفعل هذا ما كان فقد انقسم الرأي العام إلى ثلاث أقسام الأول يدافع عن توفيق بوعشرين و يعتبر أنها محاكمة غير عادلة و أن الصحافي يدفع ثمن مواقفه الجريئة و الثاني يقف في صف الضحايا المزعومات ولو أن هذا الإتجاه قام بتسييس المحاكمة أكثر من اللازم و إتجاه ثالث و أخير كان محايدا و ينتظر المزيد من الحقائق من أجل إتضاح الحقيقة من أجل اتخاذ موقف نهائي . و في رأيي الشخصي أنا مع الاتجاه الأول الذي يدافع عن توفيق بوعشرين و يعتبر أن قلمه المزعج كان هو السبب الرئيسي وراء وجوده الآن بين القضبان محكوم عليه بعقوبة جد قاسية ، و سندي في ذلك هو أن مجريات محاكمته قدمت أدلة براءته من المتابعات الخطيرة التي سطرتها النيابة العامة و لا سيما إنكاره المتواتر في جميع مراحل المحاكمة ، و لكن أهم دليل هو الأشرطة المرئية التي تم إعتمادها كدليل رئيسي للإدانة و هي عل العكس من ذلك أهم دليل للبراءة على اعتبار أنه على فرض صحتها فإنها تظهر علاقات جنسية تمت بشكل رضائي بين أشخاص راشدين و ليس إغتصاب أو إتجار بالبشر كما سطرت المتابعة ، و لا يمكن الدفع بوجود ضغط أو إكراه لأن الضحايا المزعومات لم يكن مضطرات للرضوخ لهذه العلاقات الجنسية إذا لم تكن تتم بشكل رضائي ، لكن مع ذلك ينبغي التأكيد على أن الأمر كان يقتضي إعادة التكييف القانوني للوقائع في حالة ثبوت صحة الأشرطة و ذلك بالمتابعة فقط بجريمة الخيانة الزوجية و معلوم أن هذه الجريمة تتوقف المتابعة فيها بتنازل الزوجة وبالتالي لا يصبح للإعتقال أي مجال للتطبيق في هذه النازلة .
لذلك يمكن التأكيد على أن هذه السياسة الجديدة أصبحت فعالة لمواجهة الفكر المتنور انطلاقا من ترسيخ التناقضات لدى الرأي العام , عن طريق العمل على هدم النموذج و القدوة و الرمز , حتى يستطيع التعامل مع المثقف أو المفكر بشكل أكثر سهولة , و تطبيق العقاب المناسب عليه من دون أن يكون مدعوما بالدعم الشعبي و الجماهيري , و من دون أن تزيد قيمته المعنوية و الرمزية . فالأمر أشبه بالجندي الذي يصبح أسيرا بدون سلاح , لأن سلاحه الذي يتمثل في هذا المجال بالتعاطف الجماهيري و قيمته الرمزية ينتزع منه انتزاعا و بالتالي يسهل قتله أو أسره و بالتالي القضاء عليه بشكل نهائي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.