هل المغرب في حاجة الى ديمقراطية اجتماعية ؟

كاب 24 تيفي/ دخالدالسموني الشرقاوي 

          إن مشكلة الليبرالية التي عانى منها العالم في القرن العشرين هي أنها تتعلق دائما بالليبرالية الاقتصادية المتوحشة والتي تعني التحرر الكاملللاقتصاد وهيمنة منطق السوق والربح على حساب العدالة الاجتماعية، و إيقاف دور الدولة في المجتمع وتحويل الخدمات الصحية والتعليمية إلىالقطاع الخاص ونظام السوق، مما قد ترتب عن ذلك من أوضاع و أزمات اجتماعية كارثية ، ولذلك نشأ في الكثير من الدول الأوروبية وأميركا اللاتينيةفي نهاية القرن الماضي الفكر الجديد الذي يجمع ما بين الليبرالية السياسيةواليسار الاجتماعي وهذا الفكر أطلق عليهالديمقراطية الاجتماعية أو السوسيو ديموقراطية Social Democracy

       ذلك أن التجارب السياسية للدول أظهرت أن كل سياسة لا تحترمحاجات الإنسان الأساسية ، (التربية الشغل الصحة – العدالة ) ، محكوم عليها بالفشل. ومن هذا المنطلق ، يمكن للديمقراطية الاجتماعيةضمان هذا الحقوق الأساسية للمواطنين و إشراكهم في اتخاذ القراراتوفى الدفاع عن مصالحهم .

        فمثلا ، بدون عدالة في الدخل والتعليم وفرص الحياة ، ستكونالحرية مهددة من قبل اللوبيات الاقتصادية المسيطرة على المجتمعوالشركات المفترسة التي تعمل وفقا لمصالح الليبرالية المتوحشة ، وبدونالحرية في الدفاع عن الحقوق، لن تجد العدالة صوتا يدافع عنها.

        وتتجلى أيضا أهمية تطبيق الديمقراطية الاجتماعية في كونها تحترممبادئ حقوق الانسان والمواطنة والمساواة ، ويتجلى ذلك في مضامين المواثيق الدولية لحقوق الانسان ، وعلى الخصوص العهد الدولي للحقوق الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية ، لتقاطعه مع الفكر الديموقراطي الاجتماعي .

        وتتجلى أيضا أهمية الديمقراطية الاجتماعية ، أنها تعمل على حماية الضمان الاجتماعي للجميع على السواء، إذ أن هناك حدا أدنى للكرامةالاجتماعية ، تسعى إلى الحفاظ عليها بالنسبة لجميع أفراد المجتمع.

          فضلا عن ذلك ، تحاول الديمقراطية الاجتماعية الحفاظ على التوازنبين حاجات الفرد من جهة وحاجات المجتمع من جهة أخرى ، وهى فيمحاولتها تلك تؤمن بقدرة الإنسان على تخطى مصالحه الضيقة من أجل أنيعيش في مجتمع أفضل تذوب فيه النزعة الفردية .

        وكما تهتم الديمقراطية الاجتماعية بالحقوق الاجتماعية للفئاتالمهمشة والمحرومة، فإنها تهتم أيضا بالحقوق البيئية حتى تتمكن الأجيالالقادمة من التمتع بحقها في الحياة في عالم يخلو من التلوث ، وكل مايشكل عناصر البيئة التي تخص الجنس البشرى ككل بأجياله الحاضرةوالمستقبلية.

            وتجدر الإشارة في هذا الصدد ، إلى أن الديمقراطية الاجتماعيةتعتمد على الإصلاح التدريجي للنظام الاقتصادي للدولة بإدخال مفاهيمالعدالة الاجتماعية ودمجها مع الليبرالية السياسية المعتمدة على الحرياتوحقوق الإنسان وتنظيم الحرية الاقتصادية والمبادرة الفردية بما لا يتعارض مع مصالح المجتمع ، لأن المجتمعات التي أطلقت عنان الحرية الاقتصادية بدون ضوابط قانونية عرفت أزمات اجتماعية وحركات احتجاجية متكررة . فما يحدث الآن في فرنسا من اضطرابات اجتماعية و احتجاجات نظمها أصحاب ” البدلات الصفراء” كان نتيجة هيمنة الليبرالية على السياسية الاقتصادية دون أن تترك مجالا للديموقراطية الاجتماعية :المساواة والعدالة الاجتماعية و التضامن الاجتماعي و الحماية الاجتماعية.

         وبناء على ما سبق ، نرى أن المغرب ، كدولة نامية صاعدة ، يؤسس حاليا لنموذج تنموي جديد ، لابد له استلهام أهم مبادئ الديموقراطية الاجتماعية واعتمادها في سياساته العمومية ، لأن هناك ارتباط وثيق بين النموذج التنموي و بين هاته الديموقراطية ، حتى تتحقق العدالة الاجتماعية للجميع ، كما يمكن للدولة تحقيق أهم الحقوق الاجتماعية للمواطن : التربية و التكوين و الشغل و الصحة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.