قراءة في مشروع القانون التنظيمي للإضراب .97.15

لكاب 24 تيفي: البواري محمد الأمين باحث ماستر الحكامة 

الإضراب هو التوقف عن العمل بصورة مقصودة وجماعية هدفه الضغط على رب العمل من قبل الأجراء، وهناك أيضا ما يعرف بإضراب الحوادث وهو توقف عن العمل من غير الأجراء، كإضراب التجار وأعضاء المهن الحرة والطلاب وإضراب المواطنين عن دفع الضرائب.

وتاريخ الإضراب قديم قدم الزمن حيث كان أول إضراب حسب المؤرخين في عهد الفراعنة سنة 1152 قبل الميلاد ضد رمسيس الثالث، وبدأ استخدام كلمة إضراب في اللغة الإنجليزية عام 1788، عندما عمل بحارة في لندن على شل حركة السفن في الميناء، وكان الدستور المكسيكي أول دستور في العالم يضمن الحق في الإضراب سنة 1917.

لكن توجد بعض الأنظمة تحظر حق الإضراب ويتم اعتباره غير مشروع، وينظر إليه على أنه مضاد للثورة، مثل الأنظمة الماركسية كالاتحاد السوفياتي سابقا والصين.

وفي المغرب الإضراب حق دستوري نصت عليه مختلف الدساتير السابقة في الفصل 14، وتم التنصيص عليه في الفصل 29 من دستور 2011، مع توصية بإصدار نص تنظيمي ينظم حق الحق.

فما هي أهم المقتضيات التي جاء بها هذا المشروع التنظيمي؟

وهو ما سنحاول الإجابة عنه من خلال هذه الورقة البحثية وفق التصميم التالي:

أولا: قراءة في شكل مشروع القانون التنظيمي للإضراب.

ثانيا: قراءة في مضمون النص التنظيمي للإضراب.

ثالثا: ملاحظات بشأن مقتضيات هذا المشروع التنظيمي.

أولا: قراءة في شكل مشروع القانون التنظيمي للإضراب 97.15

يتكون مشروع القانون التنظيمي رقم 97.15 من 49 مادة موزعة على علىستة أبواب، يتضمن الباب الأول مجموعة من الأحكام العامة، حيث عرف مجموعة من المفاهيم كالإضراب، الأجير، المشغل، الجهة الداعية الى الإضراب، المرافق الحيوية، الحد الأدنى من الخدمة، والأشخاص المعنيين بهذا الحق.

فيما تضمن الباب الثاني شروط وكيفية ممارسة حق الإضراب في القطاع الخاص، وخصص الباب الثالث لشروط ممارسة حق الإضراب في القطاع العام، وتم التطرق في الباب الرابع للأحكام الخاصة بالإضراب في المرافق الحيوية، ونص الباب الخامس على مجموعة من العقوبات، وختم المشرع النص بالباب السادس الخاص بالأحكام المختلفة.

فما هي أهم مضامين هذه الأبوب والفصول وما هي المقتضيات التي جاءت بها؟

وهو ما سنحاول الاجابة عنه في ما الفقرة الثانية من هذه الورقة البحثية.

ثانيا: قراءة في مضمون مشروع القانون التنظيمي للإضراب.

حاول المشرع في هذا المشروع التنظيمي وضع مجموعة من الإجراءات المنظمة للحق في الإضرب المنصوص عليه في الدستور، مع وضع تمييز بين الإضراب في القطاع الخاص والقطاع العام والمرافق الحيوية.

ففي القطاع الخاص، اشترط المشرع في هذا النص على ضرورة المرور بعدة مراحل قبل خوض الأضراب، وتتمثل في ضرورة إعداد الملف المطلبي وتقديم الملف الى المشغل، ولا يمكن اللجوء الى الإضراب الا بعد انصرام أجل ثلاثين يوما من تاريخ توصل المشغل بالملف، ويجب خلال هذا الآجال إجراء مفاوضات بشأن الملف المطلبي قصد البحث عن حلول متوافق عليها، وإجراء محاولة للتصالح بين الطرفين وإذا فشلت محاولة الحوار ولم يتم التوصل الى نتيجة يتم تنظيم الإضراب وفقا لبعض الشروط .

حيث أقر المشرع أن الدعوة الى الإضراب على الصعيد الوطني تتم من طرف الجهاز التداولي المختص لإحدى النقابات الأكثر تمثيلا أو ذات تمثيلية على الصعيد الوطني، مع ضرورة أن يتضمن قرار الإضراب اسم النقابة، الأسباب الداعية الى الإضراب، مكان التنفيذ، تاريخ الإضراب، وساعته، ومدة الإضراب.

ويجب إخبار بعض الجهات بقرار الإضراب سبعة أيامعلى الأقل قبل الشروع في الإضراب، وهم رئيس الحكومة، والسلطة الحكومية المكلفة بالداخلية، والتشغيل والمنظمات المهنية للمشغلين والجهة التابعة لها.

أما بالنسبة للإضراب داخل المقاولة يتم من طرف الجمع العام للأجراء مع ضرورة حضور ما لا يقل عن عن ثلاث أرباع من أجراء المقاولة، ويجب أن يتضمن قرار الإضراب اسم النقابة، أسباب الإضراب وساعته، ومدة الإضراب، وارفاق القرار بمحضر الجمع العام الذي اتخذ فيه قرار الإضراب.

مع ضرورة إخبار والي الجهة أو عامل العمالة او الاقليم، وممثل السلطة الحكومية المكلفة بالتشغيل على صعيد الجهة أو الإقليم.

وألزم المشروع الجهة الداعية الى الإضراب بممارسة بعض المهام قبل وأثناء سريان الإضراب وهي:

تأطير المضربين وتدبير ممارسة الإضراب والإشراف عليه.
الإتفاق على ضمان استمرارية الخدمات الأساسية لتفادي اتلاف الممتلكات والتجهيزات.

كما عمل المشروع على حماية حق الإضراب من خلال مجموعة من المقتضيات وتتمثل في ما يلي:

اعتبار كل شرط تعاقدي يقضي بتنازل الأجير عن حقه في ممارسة الإضراب باطلا.
كما منع المشروع على المشغلين ومنظماتهم المهنية والمنظمات النقابية عرقلة حق ممارسة الاضراب.
كما منع المشروع ادخال عمال جدد محل العمال المضربين خلال فترة الاضراب.
كما منع عرقلة حرية العمل خلال مدة سريان الاضراب .
واعتبر أن المضرب لا يستفيد من الأجرة عن مدة الإضراب.

أما فيما يخص القطاع العام فقت نص على نفس المقتضيات السابقة مع استثناء بعض المواد، وضرورة تبليغ رئيس الحكومة والسلطة الحكومية المكلفة بالداخلية والوظيفة العمومية والتشغيل والسلطة الحكومية التابع لها المرفق المعني بالإضراب.

كما استثنى بعض الفئات من حق الإضراب كالقضاء والأمن ورجال وأعوان ومساعدو السلطة الديبلوماسيون، الجمارك، السجون، الوقاية المدنية.

أما في المرافق الحيوية، ضمن المشروع حق الاضراب بشرط ضرورة توفير بعض الخدمات في هذه المرافق، مثل المؤسسات الصحية، المحاكم، الأرصاد الجوية، النقل السككي، النقل البري، الاتصال، توزيع الأدوية، المراقبة الصحية، المصالح البيطرية، وذلك نظرا لارتباط هذه المصالح بخدمات مباشرة للمواطنين.

إذن هذه هي أهم المقتضيات التي جاء بها مشروع القانون التنظيمي للإضراب، فما هي إذن أهم الملاحظات المسجلة على هذا المشروع، وهو ما سنحاول الإجابة عنه من خلال الفقرة الثالثة.

ثالثا: ملاحظات بشأن مقتضيات مشروع التنظيميللإضراب.

من أبرز الملاحظات التي يمكن ملاحظتها على مشروع القانون التنظيمي للإضراب يمكن إجمالها في ما يلي:

نص المشرع في المادة الثانية من هذا المشروع على أن الاضراب هو توقف جماعي عن العمل لمدة محددة، حيث عمل على ضرورة أن يكون الإضراب في محددة محددة يتم تحديدها مسبقا، وهو ما يتنافى مع روح الإضراب الذي قد يكون لمدة محددة أو لمدة غير محددة حتى يتم تحقيق المطالب المسطرة في الملف المطلبي، كما نصت نفس المادة على ضرورة أن يتم الإضراب من طرف من لهم مصلحة مباشرة، وهو ما يمنع إحدى أهم الحقوق وهي حق التضامن العمالي أو التضامن النقابي بمعنى أن الإضراب لا يتم الا من له مصلحة مباشرة في الإضراب.

الملاحظة الثانية هي ما جاءت به مقتضيات المادة 4 من هذا المشروع حيث نص على أن حق الإضراب من طرف الخاضعين لقانون الشغل، ومن طرف الأعوان والموظفين المستخدمين لدى الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، إن مقتضيات هذه المادة تستثني مجموعة من الفئات التي ستجد نفسها محرومة من ممارسة حق الإضراب بحكم القانون ويتعلق الأمر بكل من العمال المنزليين، والمشتغلين في القطاع التقليدي الصرف، والمشتغلين لحسابهم الخاص، بالإضافة الى طلبة الجامعة وتلاميذ المدارس والعديد من الفئات الاجتماعية الأخرى.

كما نكتشف من خلال المادة الخامسة من هذا المشروع منع الاضراب لأهداف سياسية، وهو ما يتنافى حتى مع الدستور الذي اعتبر ممارسة السياسة حق للجميع ولجميع المواطنين الحق في الانخراط في الأحزاب والتعبير عن أفكارهم السياسية بكل حرية، كما أن الإضراب يمكن أن يكون على مشاريع وقرارات سياسية تتخذها الحكومة، فكيف يتم منع الاحتجاج لأهداف سياسية؟ وهو ما من شأنه أن يحول الاحتجاجات والاضرابات الى مجرد إضرابات هدفها خبزي في المقام الأول اذا تم استثناء الأهداف السياسية في الاضرابات.

وبالاطلاع على المادة السابعة من هذا المشروع نجده ينص على ضرورة انصرام أجل ثلاثين يوما قبل خوض الأضراب، وهو ما لا يتماشى مع بعض الظروف الاستثنائية التي لا يمكن معها انظار هذه المدة نظرا لطابعها الاستعجالي، مثل الاضراب بسبب ظروف العمل التي تشكل خطرا على صحة الأجراء، نفس الأمر فيما يخص المفاوضات التي تسبق ممارسة حق الإضراب في بعض الحالات المستعجلة التي يصبح معها هذا الشرط يهدد صحة وحياة الأجراء.

كما نجد المشرع نص في المادة الثامنة على إمكانية تعليق حق الإضراب في اتفاقية الشغل الجماعية، وهو تعليق غير دستوري على اعتبار أن الإضراب حق الدستور لا يجوز الاتفاق على تعليقه.

كما أقرت المادة الرابعة عشر من هذا القانون التنظيمي على أن الأجير المضرب لا يتقاضى أي أجر عن فترة الإضراب، لكن يجب أن يتم استثناءالفئات التي يكون سبب اضرابها ظروف العمل المزرية، لأن في هذه الحالة سيصبح الأجير معاقبا مرتين مرة بسبب ظروف العمل الصعبة ومرة بسبب الاقتطاع أو عدم تأدية الأجرة.

كما نجد المادة السادسة والعشرون تنص على ضرورة تعويض الأجراء او الجهة الداعية الى الاضراب المشغل اذا تم إلحاق ضرر بالمقاولة  وتعويضه عن الخسائر، لكن يبقى السؤال هنا ماذا ان كان المشغل هو من ألحق الضرر بالأجراء الا يجب عليهم هم أيضا المطالبة بالتعويض.

لذلك التعويض في هذه المادة يكون بناء على المسؤولية التقصيرية في حالة اخلال أحد الأطراف بواجباته سواء المضرب أو المشغل، نظرا لتنظيم التزامات متبادلة بين الطرفين وبالتالي يمكن لكلاهما المطالبة بالتعويض، في حالة اخلال أحد الأطراف بواجباته.

وختاما يمكن القول بأن هذا القانون قد طال انتظاره منذ أول دستور في البلاد الذي نص على الحق في الإضراب مع اقتران ذلك بصدور قانون تنظيمي ينظم هذا الحق، الا أن هذا المشروع لم يكن في مستوى تطلعات الشغيلة والمنظمات النقابية التي اعتبرت هذا المروع اجهازا على مكتسباتها النقابية وبمثابة تراجع عن ما تم تحقيقه في بلادنا من مكتسبات نقابية في هذا الباب.

حتى أنه عمل على استثناء مجموعة من الفئات من حق ممارسة الإضراب خصوصا فئة الطلبة، كما أنه لم يعمل على التمييز بين الإضراب والاحتجاج، في سلسة تعاريفه التي جاءت في بداية النص، وهو ما من شأنه أن يقبر كل احتجاج سلمي على بعض القرارات السياسية التي منع المشرع الاحتجاج بسببها.

ويبقى السؤال كيف ستعمل الحكومة على تمرير هذا النص في ظل معارضة قوية من قبل النقابات على مقتضياته؟

وهل الحكومة مستعدة لقبول كل تعديلات وملاحظات النقابات بخصوص هذا النص؟

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.