في معنى العدالة …

كاب 24تيفي/ متابعة 

العدالة لا تتحقق فقط بسلطة قضائية مستقلة من الناحية الدستورية عن السلطتين التشريعية و التنفيذية و لا يمكن اعتبار مجرد التنصيص في الدستور على هذا المبدا كاف للانتقال من مرحلة قضائية لاخرى و من عدالة قابلة للاختراق و التوظيف عند “الضرورة “الى عدالة قوية عادلة مستقلة حامية للحقوق و الحريات و الى عدالة بمقدورها ان تشكل كما هو الشأن في الدول الديمقراطية سدا منيعا ضد مراكز النفوذ و القوة بمختلف تموقاعاتهاالمبتوتة في هرم الدولة و مؤسساتها الامنية و السياسية و التي تكون لها ، بحكم طبيعة مهامها و وظائفها و خصوصية تكوينها و اعدادها ،للاخذ بناصية الحكم و تصريف شؤون الدولة ، تكون لها هواجس و تخوفات و تحاليل و طموحات لا تنظر دوما بعين الرضى الى ما يشهده المجتمع من تغيرات في كيفيات التعبير عن ذاته .
العدالة اختيار حضاري و انساني قبل ان تكون التزاما دستوريا و حقوقيا و سياسيا. و يستحيل في بلدنا من هذا المنطلق استحالة تكاد تكون مطلقة تحقيق العدل و ترسيخ سيادة القانون و ارساء المعنى الحقيقي للامن القضائي دون تصفية الحساب مع جزء من تركة تاريخ الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان التي ظلت ، بعد ان كانت اسلوبا و منهجا، تقفز بين الفينة و الاخرى على سطح الاحداث ،تظهر و تختفي لترهب و تخيف و تذكرنا افرادا و جماعات كون القطيعة مع الماضي نسبية جدا و لم تلامس جوهر الدولة و كافة اخياراتها ، و لتذكرنا ايضا و بقدر كاف من االعنف الرمزي و المادي ان ممارسة الحقوق و الحريات الاساسية الواردة في الدستور و المؤطرة بالقانون مغامرة كبيرة تستوجب الكثير من الحيطة و الحذر وان الغلو و التجاوز عند ممارستها من عدمه لا يفيد في تقييمه و تقديره الاحتكام للقانون و حده او اللجوء فيه الى القضاء للانتصاف ما دامت علاقة الدولة بباقي مؤسساتها الدستورية غامضة و ملتبسة و ان مختلف الوسائط اضحت موضوعا لاختيارات الدولة و رغباتها و توجيهاتها بخلاف ما كان عليه الوضع قبل سنوات حيث كانت هذه الوسائط و الاحزاب السياسية منها و النقابات ،اساسا، فاعلة و مؤثرة و لو نسبياو باشكال متفاوتة بحسب شروط كل ظرفية على حدى في بلورة مواقف و مبادرات و نضالات تسهام بحكم مصداقيتها و ارتباطها اللصيق بنبض المجتمع ، في صياغة الشروط اللازمة لتحقيق التوازن الضروري بين مهام الدولة وسياساتها الامنية …..و تحركات المجتمع و هو يعبر عن همومه و تطلعاته ….
العدالة لا يمكن الا تكون ناقصة و غير مكتملة في مناخ سياسي معتل فاقد للمصداقية يعج بؤسا و تفاهة و انبطاحا ، ينحدر فيه العمل السياسي من سياسة الفعل الملتزم الى سياسة الفعل الفرجوي البعيد عن المجتمع و عن المعنى الحقيقي للسياسة بوصفها عملا نبيلا لخدمة المجتمع و تحقيق مصالحة الفضلى لينعم بالحرية و العدالة و التقدم و الرفاه ….
قد تنجح الدولة في كثير من الميادين و في رفع مجموعة من التحديات لكن غياب العدالة و التطبيع مع الظلم و تبريره يجعلها “خارج التاريخ “و يغذي النزعة “الانتحارية” في تصرفاتها و يعمق الهوة بينها و بين المواطن و يزيد من منسوب فقدان الثقة لديه …. 

العدالة ليست مجرد سلطة قضائية و نيابة عامة و دستور و قوانين و اجراءات و نظم و احكام و قرارات تصدر باسم جلالة الملك و طبقا للقانون ! العدالة اعقد و اشمل من ذلك فلا عدالة بدون صحافة حرة لا يتحسس فيها الصحافي قلمه و لسانه الف مرة قبل ان يلوح بكلمة او رأي يخالف السائد و يحيد عن منطق المسايرة و يشعر بانه فعلا يتحمل مسئولية سلطة ر ابعة ترصد و تتبع تفضح تقوم و تساهم في بناء رأي عام حقيقي مواكب لمختلف مجالا الحياة العامة
لا عدالة دون وجود ارادة سياسية قوية لمحاربة الرشوة و الغاء مصادر الريع و التسلط و الفساد و اجتثاته من جذور جذوره بدل نهج اسلوب التشهير و الموسمية و اعتماد اسلوب الرصد و الاقتناص الموجه و الانتقائي …
لا عدالة دون محاماة حقيقية حرة مستقلة ذات حصانة قوية لا يشعر فيها المحامي بسيف الرقابة على اقواله و حركاته و سكناته وان يكون الحكم و الفيصل في علاقته بالغير و ان كان خصما “شريفا” القانون و ان يكون القانون نفسه مستمد من روح الدستور لا ان يبقى حبيس زمن ولى “صحيح الصيف ضيعنا اللبن ” و لم ينصف دستور 2011 مهنة اعطت الكثير للدولة نفسها للاحزاب السياسية للنقابات للصحافة و للقضاء و نالت حظها من الاكتواء زمن الرصاص حيث كانت الكلمة الصادقة الحرة و المسئولة نادرة و اسثنائية ثمنها حديد و نار لم ينصفها دستور المملكة بل اهملها اهمالا مغرضا و مقصودا و اكتفى بالاشارة الى بعض من ادورها فقط و كان بمقدور الغير القيام بها و الدفاع عنها “قرينة البراءة المحاكمة العادلة الولوج للعدالة ……..”
ما عشناه و تتبعناه من اطوار محاكمات “سريالية” بداية من القاء القبض الى اصدار الاحكام ضد رجال ونساء شباب احتجوا بشكل سلمي ضد الفقر و المرض و التهميش و الاقصاء الممنهج و عبروا خلال مسيراتهم و وقفاتهم و شعاراتهم عن غضبهم و سخطهم على اوضاع ليست قضاء و قدر بقدر ما هي اخطاء دولة لم يجاهروا او يعبروا لحظة عن النيل من وحدتها و امنها و ثوابتها …. ما عشناه و تتبعناه يجعلنا محقين في الخوف على هذا الوطن .
ان الرمي بهؤلاء الشباب في ظلمات السجن سنوات طويلة هو في العمق اعدام رمزي لهم و اقبار لطموحاتهم و احلام جيلهم و تنكيل بعائلاتهم وانذار صريح لنا جميعا بكون تصديق الدستور و الامعان في التمسك بمقتضياته و تصديق ما يقال حول الامن القضائي و الحقوق و الحريات دون تحفظ و لا تردد قد تكون له عواقب لا احد يستطيع ان يتكهن خطورتها …
و التاريخ سيبقى شاهدا على ان الدولة عندما تفقد عقلها احيانا ترتكب حماقات هي في غنى عنها….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.