مقال رأي : في الحاجة إلى مسيرات أخرى..

نورالدين الحداد :

يحتفل الشعب المغربي كل 6 نونبر بذكرى المسيرة الخضراء التي شكلت قبل 42 سنة من اليوم محطة تاريخية حاسمة في تاريخ المغرب، هذا البلد الذي يبدو انه في حاجة لمسيرات أخرى لتحريره و تحرير أبنائه من احتلال الجهل والأمية وسيطرة بعض الأفكار التي لا صلة لها بالمجتمع المغربي الذي لطالما كان مجتمعا غنيا بالتنوع الثقافي والفكري والديني وأرضا خصبة للتعايش والتسامح بين كل أبنائه، ولعل من بين ابرز تلك المسيرات التي يحتاجها المغاربة مسيرة لفك العقد النفسية الساكنة فينا والتراجع المهول في هرمون القيم والأخلاق التي كانت من شيم المغاربة ولا تزال في بعضهم ، وحتى نضع النقاط فوق الحروف ونكون اقرب من الموضوعية والدقة ونبتعد عن الفضفضة ، إن الهجوم الذي تتعرض له المدرسة في معناها الشمولي والكوني يكاد يكون أشبه بتراجعات خطيرة تستوجب منا جميعا العودة خطوة للوراء والتفكير بإمعان في جواب على هذا السؤال : إلى أين يسير المجتمع المغربي ؟ ستختلف الأجوبة لكنها ستنتهي بنا إلى جدار سيصعب علينا اختراقه وسنصطدم به لا محال طال الزمان أو قصر ، ومن بين الأمور التي تحتاج منا مراجعات كبرى ، علاقاتنا بتاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا في وطن جل شبابه يفضل في أن يرمي بحياته لأحظان البحر على أن يعيش في وطن همُّ أصحاب الشأن فيه إخضاعنا جميعا لقانونهم الذي خلق على مقاس قانون الغاب (القوي يأكل الضعيف ) .

اسئلوا الأطفال عن حب الوطن واسئلوا الشباب كيف حال الوطن واسئلوا الشيب عن معنى الوطن ،  ستجدون اختلافا في الأسلوب والمعنى ، لكنكم لن تجدوا اختلافا حول الوطن . هذا الوطن الذي استنزفت ثرواته حتى خرج الملك يتساءل أين الثروة، وهذا الوطن الذي خان فيه السياسيون عهدهم مع الله والشعب والملك حتى خرج الملك مرة أخرى وقال : إذا كنت أنا لا أثق فيكم فكيف سيثق فيكم الشعب ، هذا الوطن الذي يسجن فيه الرجل إذا ناد اسقوني إني عطشان ، ويحبس فيه الشاب الذي صرخ أريد جامعة لأتعلم ومستشفى لأُعالج وعملا لأُنتج ، هذا الوطن الذي يقدم المليارات لمغنية أجنبية شبه عارية وأبنائه لا زالوا يقطعون الكيلومترات إلى المدرسة مشيا على الأقدام ، هذا الوطن الذي بقي فيه وزيرا عشرون سنة في الوزارة ويوم اعفي من طرف الملك بسبب تهاونه – وما خفي كان أعظم – عاد ليقول أنا هنا باق رغم أنفكم ، وآخر ثبتت علاقته باختلاسات مالية كبيرة واعفي ليعود مترئسا لجلسات البرلمان ، انه التناقض الذي يرتاح في هذا الوطن كما يرتاح الصبي في صدر أمه الحنون .

لقد شكلت المسيرة الخضراء التي أبدعها الراحل الحسن الثاني نقلة مهمة في مسار استرجاع هيبة المغرب وسيادته على أراضيه ، وإذا لم نأخذ منها الدروس العبر اليوم ، فإننا نكون بصدد خيانتها وخيانة من دعا إليها ، ومن شارك فيها . بلادنا محتاجة إلى مسيرات أخرى لاسترجاع ما ضاع منها وما ضاع منا ، وحتى ذلك الحين يبقى الأمل في أن الغد سيكون أفضل إذا ما راجع كل واحد فينا نفسه وأصلح ما فسد منه ومن ذريته فمهما يكن خلقنا مغاربة وسنبقى مغاربة .